يرن الهاتف،أسمع صوتًا خافتا يقول: السّلام عليكم، ليس كبقيّة الأصوات، لم أدرك ماهو، ولكن تأكدت أنّه صوت إنسان، لم يكن تغريدة بلبل، ولا عزف كمان،صوتٌ يتحدثُ حديثَ وجدان نابعٍ من قلب ممتلئٍ أو فاقدٍ للحنان، كلاهما اليوم في الأمر سيّان، فالمحبّ يشكو قسوة الحبيب، فقد يأتي عليه يوم جميل و مائة يوم كعضّة حيّة العربيد، والفاقد ، لا يشكو شيئاً ، سوى أنّ آلام الوحدة تَجعل من قَاربَ  الثَّلاثين في المظهرِ، كمن عاش في أوّل الازمان.

يواصل جمله القصيرة وصوته الرخو، كمن يئن ،فيغلب  الحديث على الأنينِ، سألته، أتشتكي شيئاً؟، ماذا بك؟، يجيب: أريد أن أتحدّثَ معك إن كان بَالإمكانِ، قلت مباشرةً : نعم، متى ماكنت راغبا اتَّصل، لنجعل موعدًا فنلتقي، و اتَّفقنا على مكان وكنت أوّل الواصلين، لأراه من بعيد بخطوات متثاقلة، و عيناه إلى الأسفل كأنّهما مشدودتان، فلا يحرك  وسوى أَمَامَهُ لا يعرف فاستغربت للأمر ربّما مريض هو، أو أصابه مسٌ كما اشتهر في هذه الأيام، يلقي التحيّة وابتسامته ليست كالمعهودة، تنفسه كمن كان يجري ووزنه الزائد يمنع، فترى جسمه يتعرّقُ، عبد القادر خيرا إن شاء الله، لا أريد أن أسوق إليك صورة سوداوية ولكن لست الذي  أعرف، أين تلك الحيوية، والكلمات التي لها الصدر ينشرحُ، يقول مباشرة قبل أن أنهي الكلام: زوجتي الثانية، يرجع بي شريط الذّكريات إلى الوراء ، آه تذكّرت زواجكما الذي كان قبل شهورٍ من الآن، و صرت أنشئ الكلام، و ألوح به عليه، حتى لايقول كلمةً من صداها القلب يتفطّر، أو ينقشع بها نسيم الجو الذي كان من حولنا يلطّف، ورحت أقول، بارك الله لك في زواجك وأصلح حالك، ورزقك الذرّيّة الطَّيبة، عندها أوقف كلامي ،ونظر إلي نظرة لم أعهدها من قبل ممّن صادفت من الخلاّن، وقال والأسى يعتصر قلبه، هي ليست كمن ماتت....، جفّ حلقي ، وانتهت كلماتي، وتذكرتُ كلّ دروسي ، ومحاضراتي، و أسئلتي في الحياة، جال خاطري في زمن فمرّ على كلّ كتاب قرأته، أو رواية كانت في درج مكتبة ممن زرت من المؤسّسات، كلّ ورقة في محفظتي وكل كلمة كتبتُ في دفتري الخاص ، حتى أحلامي، ماحقّقت منها وما أفقد، لكن لم أجد مرادفة قوله، واسترسل في الحديث ، نعم هي ليست كمن سبقت معها الآن ستةُ أشهر و لكن لازال قلبي لا يطاوعني لها، ولأبسط الكلام أنفرُ، كنت أرد على الكلام، لكن الآن مهما قالت اللتي بالبيت ،أسكت،...

و كأنّ الأمر ارتسم عندي، والغيَم التي كَانت على عيني انقشعت، وقلت في ثقةٍ، لديك أولاد من الأولى فكيف هي معهم، أتراها كما أردت أنتَ، أم هناك فرقٌ بين ما طلبت وما وجدت،....

يعيد من جديد والدّمع في عينيه منعهما الحياء ربّما ، أو كبر سنّه، ينظر إلى نظرات متسارعةٍ، من خلالها يظهر حزن قلبٍ، لفاقدٍ، أو أسى قلبٍ على ما حلّ بالفتى بعد حلاوة العيشِ، وتيهه في مرارة أيام  ليبحث بعدها فقط عن مخرجٍ، ....

أقول مستفسرا!، أفرغ ماعندك، فالأمر لم يعد يحتاج الكتمان، والآن قبل فوات الأوان، صار الجو حاراً، وعرق الكلمات يتصبب ، فكلّ كلمةٍ قد تكون حلاً، واخرى قد تهدم البنيان.......

......يُتبع.