عاش الرأي العام الوطني طيلة اليومين الماضيين على وقع المعطيات الصادمة التي رفعها مجلس إدريس جطو إلى أنظار الملك في تقريره السنوي لسنة 2018، ملاحظات تضمنها التقرير أسالت مدادا كثيرا حول مدى نجاعة المخططات الكبرى للدولة وكذا حكامة عدد من المؤسسات العمومية التي ما فتئت تراهن عليها دوائر القرار العليا في كل المحطات الكبرى من أجل دفع عجلة الاقتصاد الوطني.

المجلس الأعلى للحسابات هيئة عليا مستقلة دورها مراقبة المالية العمومية.. فبالإضافة إلى مراقبة تنفيذ قوانين المالية، وتتبع التصريح بالممتلكات وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وكذا مراقبة حسابات الجهات والجماعات الترابية على مستوى المجالس الجهوية.. فإن الدستور المغربي قد أولى للمجلس الأعلى مهمة "تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية" (الفصل 147)

كان ليكون لتقرير هذه السنة وقع كسابقيه، حيث تعرض الأرقام والاختلالات، و يتلقاها المعنيون بها كقرصة أذن، يستدركونها ويبنون عليها برامجهم القطاعية المقبلة، وتمر العاصمة بدون خسائر.. -كان ليكون ذلك- لولا السياق الذي أتى فيه، والذي يتزامن مع أمرين مفصليين في المرحلة السياسية في المغرب، الأول متعلق بالتعديل الحكومي الموسع الذي يعكف العثماني على فك شفراته، ككل الشفرات التي قدر له مواجهتها مع كل دخول سياسي، والثاني متعلق باقتراب إخراج لجنة إعداد النموذج التنموي للمرحلة المقبلة، الذي كان قد أعلن عاهل البلاد في خطاب سابق عن بلوغ مداه.

من هذا المنطلق، ولأننا في بنية سياسية قطب رحى التأثير فيها، يختلف من سياق إلى آخر، وبحيث كل حركة فيها أو سكون تعير بميزان من انتخابي من عيار 21، فكان من الطبيعي أن تصير خلاصات التقرير الحالي ورودا تسلمها الفاعل السياسي، وحولها إلى أشواك يلقيها في طريق خصومه..

لم يكن يتوقع عزيز أخنوش أنه سيكون بطلاً دون منازع لهذا التقرير، حيث تصدرت قطاعات الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات الملاحظات البارزة التي خلص إليها قضاة المجلس.. أخنوش الذي رفض تحاشى ما مرة الاستجابة لمطالب برلمانية بشأن تقييم مخطط المغرب الأخضر، نزلت عليه مطرقة جطو من حيث لا يحتسب، ولو أنها لامست جزء بسيطا منه، إلا أن النتائج المسجلة كانت مخيبة، بالنظر لحجم الإمكانيات المعبأة والزخم الذي واكبه، ففي سلسلة إنتاج الزيتون على سبيل المثال لم يتعدى متوسط الإنتاج منذ اعتماد المخطط سنة 2009، 54% من الهدف المسطر.. أما في ما يتعلق بمشاريع التجميع "l'agrégation" لم يتم إنجاز سوى 23 مشروعاً من أصل 510 التي كانت مسطرة أي بنسبة إنجاز لم تتعدى 4.5%.. هذا دون الحديث عن حجم الاختلالات التي عرفها مخطط الصيد البحري "أليوتيس"، ولا المراقبة الصحية للمواد الغذائية التي يستهلكها المغاربة، والتي لم يجد صائغ التقرير من عبارة يقدم بها الملاحظات سوى كلمة "غياب".

كما تحدثنا في الفقرة ما قبل السابقة، فقد كان من الاستثناء ألا يتم تحويل الورود إلى أشواك سياسية تقع على طريق تعديل الحكومة وتشكيل لجنة النموذج، فقد لاحظنا مباشرة عقب ظهور التقرير، حجم القاذفات التي ظهرت في سماء الصحافة، ولعل أبرزها ذلك التحوير الذي تم التعامل به في قضية خزانات "USB" المتعلقة بوزارة التجهيز والنقل، وأن كانت اختلالات لابد من الوقوف عليها ومحاسبة مرتكبيها لأنه "qui vole un œuf vole un bœuf" كما يقول المثل الفرنسي، إلا أن الحالة هنا لا يمكن بالمرة وضعها في نفس ميزان الاختلالات السالفة الذكر، حتى يتم النفخ فيها من قبل بعض المنصات، والتغطية في المقابل على الجانب الأفظع في التقرير.. فالوزير ليس مسؤولا مباشرا عن سند طلب لشراء ما يسمى في المحاسبة fournitures de bureau التي يعدها وينفذها رئيس مصلحة أو مدير قسم في أحسن الأحوال، إنما مسؤولية الوزير المباشرة تكون في الاختلالات البنيوية المتعلقة أساساً بعدم تنفيذ أجزاء مهمة من المخططات الموضوعة، أو في البرامج والمشاريع الكبرى التي تشرف عليها للوزارة.

في انتظار أن تهدأ لعبة الورود والأشواك التي تشغل نخبتنا السياسية، فلا بأس أن نلفت انتباهها إلى مقدمة التقرير والتي يمر عليها الكثير مرور الكرام عامة، إذ نبه إلى أمر لم يحدث منذ سنة 2012 وهو تغير المنحى التنازلي الذي عرفه عجز الميزانية، بتسجيل ارتفاعه الأول سنة 2018، كما ارتفعت في السنة نفسها ديون الخزينة ب 4.4% مقارنة ب2017..

وهي أرقام تدق ناقوس الخطر حول مدى قدرتنا على الحفاظ على المكاسب الإصلاحية التي تحققت بعد 2011، وفي نفس الوقت تعيد مسألة تصحيح نقطة الانعطاف التي حدثت سنة 2017 على مستوى حقوق الإنسان، والديمقراطية المرتكزة على احترام الإرادة الشعبية وقداسة المؤسسات.. فهل سيشكل التقرير أرضية لإحداث انفراج سياسي يعيد جزء من الثقة المفقودة؟