مساءُ الخير أو صباحُ الخيرِ حسبَ التوقيت الحالي للخيرِ عندكم، فكل الصباحات عندنا تشتهي الخير والمساءات لا تعرف ما هو خير مسائكم..

أنا ابن الشهيد، أخي شهيد، جدي شهيد، وجدتي يبدو أنها اشتاقت للقاء جدي في جنته، فذهبت إليه منذ قليلٍ في ثياب الشهداء.

كانت جدتي تروي لي الحكايات عن تضحيات أجدادي الشهداء، فعرفت أنني حتمًا سألحق بهم وصار هذا هو المتعارف عليه عندنا، وكأننا في فلسطين نُنجبُ الأطفال ليكبروا ويلبسوا زي الشهداء.

الأمهات هنا لا تحلم مثلكم بثياب العرس لولدها، لا ينتظرون يوم عُرسه، يعرفون أنه قد لا يأتي، فيُعدّون أطفالهم لعرسٍ آخر.

في الوقت الذي كان ينام فيه كل طفلٍ في الوطن العربي في سريره، وتروي له أمه حكايات ما قبل النوم، حين تحكي للبنت حكايات سندريلا والأقزام السبعة، حين كانت تنام البنت تحلم أنها أميرة من أميرات ديزني، كانت أخواتي البنات يسمعون نفس الحكايات معنا، كانت تروي لنا أمي قبل النوم حكايات أخرى، ليس بها الوان ديزني ولا أميرات ديزني، كانت الحكايات عندنا تبدأ بغاراتٍ اسرائيلية ذات صباح، أو كيف يعيشون ويتنقلون من المخيمات ليلًا، كانت تحكي لنا عن الأقصى، وأنها لم تنجبنا لنلهوا ونلعب فقط، وأن الأمهات هنا تتسابق فيما بينها مَن ستنجب صلاح الدين.

ذات مساءٍ سألتُ أبي؛

_ أليست فلسطين عربية؟!

= بلى

_وهل هي الدولة العربية الوحيدة؟؟

= لا، يوجد الكثير من الدول العربية الأخرى

_ أي أن لنا إخوةً في أماكن كثيرة!

=نعم

_ إذن لماذا لا يأتون لنصرتنا! هل عددهم قليل! هل أسأنا لهم! هل العدو معه الحق في قتلنا! ألا يعلمون ما يحدث لنا!

= يعرفون يا بني، والطامةُ أنهم يعرفون، وما يأكل القلب إلا علمه أنهم يرون ويسمعون ولا يحركون ساكنًا، لو أنهم لن يأتوا لنصرتنا، لو أنهم تخلوا عنا، فلماذا يبيع الإنسان معتقداته، كيف ينامُ الإنسان والأقصى يُغتصَبُ هذا السؤال يأكل رأسي منذ كنت في مثل عمرك يا بني، ولم أجد له جوابًا.

ذات مساءٍ حين كان يُخلدني أبي إلى النوم، قال لي:

أي بني؛ الأقصى عقيدة، وأنا لا أزيد عن كوني انسانًا، حتى ولو كنت أباك، فلا تجعل همك في انسانٍ يا ولدي، لا تتعلق بالإنسان يا حبيب، قد يأتي الصباحُ ولا تجدني بجوارك فلا تفزع، ولا تبكي على فراقي، ولا ينكسر ظهرك يا عزيز أبيك، ولتجعل عينك على الأقصى، لا يُثنيك عن نصرته أي شيءٍ، ولو لم يبقَ من أسرتنا إلا أنت، فمُت للأقصى، فإما الأقصى أو أنت.

جميعنا سيرحل يا بني، بطلقةِ عدوٍ، أو خيانة صديقٍ، أو خذلان أخٍ، الجميع سيرحل وسيبقى الأقصى شاهدٌ على كل مَن باعوه وكل مَن خذلوه وكل مَن نصروه، فمُت بطلقةِ عدوٍ فالأقصى يستحقُ والله الشاهد.

منذ أيامٍ قامت قوات الاحتلال بغاراتٍ أخرى، القذف حولنا مستمر، أصدقائي وجيراني يتساقطون حولي، أخي أُصيب بشظيةٍ لكنه الآن بخيرٍ، ومازال يرمي العدو بالحجارةِ مثلي، كنا ننظر إلى أبي ونفعل مثله، علمنا أبي أن العدو يخاف الحجارة مادام الرامي يثق بها، نشأنا على حب الحجارة، وأن الحجر الذي يفجأ رأس الصهيون يستحق التقبيل صباح مساء، علمنا أن العدو يهابُ الواثق في نفسه وإن لم يزد عن الواحد، وأن حجارتنا ترعب مدافعهم، وأن صاروخهم يهتز من الخوف قبل أن يسقط علينا، وأن الرعب يدب في أرواحهم وهم يحصدون أرواحنا، وأننا في الموت نرعبهم أكثر من حياتنا، وأن العدو جبانٌ يستترُ خلف مِدفع.

كلمات أبي كانت تلهمني لأبقى صامدًا، نظرات أبي كانت تزرع ساقي في الأرضِ فلا تهتز.

اليوم سقط أبي برصاص جندٍ من جنود العدو، أبي الذي كان جبلًا يسندنا سقط منذ قليل، أغمض عينيه وذهب في نومٍ عميق، أنادي على أبي ولا يجيب.

كنتُ أعلم أن هذا اليوم سيأتي يا أبي، لكنني لم أعلم أنه سيأتي قريبًا هكذا، مازلت طفلًا يا أبي، يبكيني الفراق، ينقسم ظهري يا أبي، ولا أقوى على حمل الحجارة دون دعمك لي، العدو اليوم تمكّن مني بقتلك، ليت رصاصته أصابتني أنا، وبقيت عيناك يقظتان تحدقان فيه بتلك النظرة التي تقتلهم وهم أحياء.

الحديث عن الموت شيءٌ، واختبارُ الموتِ شيءٌ آخر يا أبي، كنت أظنني أقوى مما أنا عليه الآن.

اليوم رحل أبي يا عالم؛

واليوم أريدُ جوابًا لسؤالي وسؤال أبي، لماذا لا تأتون لنصرتنا وأنتم تسمعون صراخي، لماذا لا تأتون وأنتم ترون بكائي، لماذا لا تأتون والأقصى يُغتصَبُ يا ناااس.

أين أمة المليار، أين الجسد الواحد، أليس أبي جزءًا من هذا الجسد! ألا يتردد صدى ألمي في هذا الجسد، ما بال أجسادكم كالحجارةِ صارت!

اليوم رحل أبي، وحتى ألحق بأبي لن تخمد نار قلبي، ولكم من الغضب في قلبي مثل ما للصهيون فيه، أنتم والعدو سواء ما لم تجيبوا سؤال أبي، أنتم والعدو سواء ولو لم تخرج رصاصة من مدافعكم.

" سيبقى الطفل في قلبي يعاديكم"

تصبحون على لا خيرٍ، أتمنى لكم أحلامًا كواقعنا غير سعيدة.