لم تحزروا .... لا ليس عماد الدين زنكي كما هو شائع، في الحقيقة لا أفهم سبب تواري كتب التاريخ المدرسية عن ذكره، ولم لا يكون بنفس شهرة عماد الدين وصلاح الدين، لأنه ببساطة من قتح لهم الباب للجهاد، هو من بدأ، والبقية أكملت.

هو الذى وقعت في عشقه وعشق سيرته منذ درست عنه كطالبة تاريخ، وتمنيت يوما أن أسمي أبني على أسمه ولكن لم يكن له مقدرا أن يحمل  شرف هذا الأسم للأسف .

مودود بن التاونتكين :

هو  شرف الدولة مودود بن التاونتكين ، أمير سلجوقي نبيل، قال فيه ابن الأثير: "وكان خيِّرًا، عادلاً، كثيرَ الخير"، ظهر لأول مرة عندما أرسله السلطان  محمد السلجوقي للموصل، لتخليصها من حاكمها سئ الخلق جاولى سقاوي، الذى أكثر الضرائب وتوحش فى تعاملاته وبالتالي كرهه الناس، بل وأعلن أستقلاقه عن الدولة السلجوقية، مما دفع السلطان محمد السلجوقي للتصرف بسرعة، فأرسل مودود الذي إستطاع إعادة الموصل وطرد جاولى، و أصبح مودود بن التاونتكين أمير الموصل بترحيب شديد من أهلها.

قام مودود بترتيب أوراقه داخل الموصل، وقضي على الفنت التى لازمت الإمارة سنوات، وكسب حب أهلها بطيبته وعدله، وأدانوا له جميعا بالطاعة دون خوف، وبعد أن أطمئن على قوة بيته، عزم على أن يكون الجهاد فى سبيل الله هدفه وطريقه الذى لا يثنيه عنه شيئا، و رأى أن قتال الصلبيين واجب لابد منه، لحفظ البلاد والكرامة ، وأن الأستسلام شئ أحمق لا يليق بالمسلمين.

الخطوة التالية لمودود ترسخ فهمه العميق لمعني الأتحاد قوة، وأن النصر لا يأتي فرادا، فقد راسل الأمراء ممن حوله لتتحد جيوشهم تحت راية واحدة، ولكن للأسف لم يكن هؤلاء الأمراء بنفس حماس مودود، بعضهم رفض، والبعض الآخر إنضم فقط طمعا في مصلحة أو نفع.

وبعد أن تلقى الأمر من السلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه بالتحرك، قام بتجميع تحالف إسلامي لأول مرة فى وجه الصليبيين، ضم الأمير إيلغازي الأرتقي أمير ماردين، وسقمان القطبي أمير أرمينية، وطغتكين أمير دمشق.

وصل التحالف إلي مدينة الرها وحاصروها لمدة شهرين، ولكن تراجع الحصار عندما ظهر جيش بيت المقدس، وحدث تصادم بين التحالف ومؤخرة الجيش الصليبي،وانتصر التحالف الإسلامي نصرا نتج عنه الكثير من الغنائم، وعاد كل إلى إمارته وكانت هذه الجولة الأولى.

أما الجولة الثانية في جهاده ضد الصليبيين كانت بعد أقل من سنتين حينما دعا وفد من اهالى حلب قد دهبوا لبغداد لإستنفار المسلمين لرفع راية الجهاد، وقد راسل الخليفة السلطان السلجوقي يطلب منه المساعدة، الذي بضوره راسل مودود أمير الموصل وطلب منه تشكيل تحالف يضم كل الإمارات التابعة للسلاجقة، وحاصروا الرها للمرة الثانية، ولكن الإمارة كانت حصينة وصامدة، وأعيت الجيش الإسلامي، فاتخذ مودود القرار بالذهاب للجيش إلي مدينة تل باشر، التى كانت كسابقتها حصينة منيعة، وأضطر مودود لإنسحاب بعد أن اتخذ باقي القادة القرار قبله وتركوه، عندما وصلتهم أخبار بأن أمير أنطاكية ارسل رسالة استغاثة لبلدوين ملك بيت المقدس، الذي بدوره دعا امراء  الرها وتل باشر و وطرابلس من الصليبيين  إلى ضرورة الإتحاد فى مواجهة الخطر الإسلامي.

لم ييأس مودود، وقام بحصار الرها للمرة الثالثةوحده، ولم يتغير الموقف كثيرا  فقام بترك قوة عسكرية حولها، وقام بالتوجه نحو ثاني معقل للصليبين شرقي الفرات، سروج، ولكن للأسف هذه الخطة أضعفت الجيشوقسمته، وكانت النتيجة هزيمة نكراء وقتل العديد من الرجال ، فتراجع مرة أخري إلى الرها، خاصة وأن الأرمن قد تآمروا ضد بلدوين مستنجدين بالمسلمين، ولكن جيش مودود قد ضعف كثيرا، فلم يستطع مواجهة القوة الصليبية داخل الرها، وأضطر حينها للإنسحاب إلى الموصل.

لم ييأس الأمير النبيل ولم يترك فكرة الجهاد، وتحرك إلى بيت المقدس على رأس تحالف إسلامي متوجها هذه المرة إلى بيت المقدس، خاصة بعد إستنجاد طغتكين أتابك دمشق به، وعندما علم بلدوين بهذا التحرك أرسل لطلب المعونة ، ومع ذلك لم ينتظر، وخرج فورا لشمال طبرية، خوفا أن تتوغل الجيوش الإسلامية لداخل بيت المقدس، وعندما علم مودود بخطته ، قام بنصب كمين لجيش بلدوين عند جسر الصنبرة، ووقع بلدوين فى هذا الفخبسهولة ، رغم خبرته العسكرية الكبيرة، ودارت معركة شرسة عرفت بأسم معركة الصنبرة، هُزم فيها الجيش الصليبي ودمرت فرقة من أهم فرقه، وهرب بلدوين بصعوبة إلى بيت المقدس، وغنم المسلمون غنائم هائلة من الخيول والأسلحة

ومن الجدير بالذكر، أن تلك المعركة ساعدت فى بزوغ نجم جديد هو عماد الدين زنكي الذى أبلي بلاء حسنا فى المعركة وكان شجاعا للغاية كما قال عنه بن الأثير.

وبعد المعركة وصل زحف المسلمين حتى بلغوا طبرية، ولكنهم لم يغامروا فانسحبوا لدمشق ودخلوها،وعزم مودود إلى أن يبقي فيها مدة فصل الشتاء، ليستغل الفترة تلك فى إاعادة الصفوف وتشكيل جيش جديد قوي، ولكن ذلك للأسف لم يتم.

فقد كان هناك من يعلم جيدا أن مودود غاية في الخطورة عليهم، وأنه لا حل آخر سوي التخلص منه، لا، لم تحزروا هذه المرة أيضا، ليسوا الصليبيين، بل هم قوم أشد خطرا على المسلمين  ويدعون للأسف أنهم مسلمون يحبونه ويغيرون عليه ، أنهم فرقة الباطنية الحشاشين..
 يصف إبن الأثير هذه الحادثة الشنيعة بقوله: " وأذن الأمير مودود للعساكر في العود والاستراحة، ثم الاجتماع في الربيع لمعاودة الغزاة، وبقي في خواصه، ودخل دمشق في الحادي والعشرين من ربيع الأول ليقيم عند طغتكين إلى الربيع، فدخل الجامع يوم الجمعة في ربيع الأول في 507هـ / سبتمبر 1113م، ليصلي فيه وطغتكين، فلما فرغوا من الصلاة، وخرج إلى صحن الجامع، ويده في يد طغتكين، وثب عليه باطني فضربه فجرحه أربع جراحات وقُتل الباطني، وأخذ رأسه، فلم يعرفه أحد، فأحرقه، وكان صائما، فحمل إلى دار طغتكين، واجتهد به ليفطر، فلم يفعل، وقال: "لا لقيت الله إلا صائمًا"، فمات من يومه رحمه الله ..، وكان خيِّرًا، عادلًا، كثير الخير".


وتستمر المهزلة، بإن أرسل الملك بلدوين رسالة إلى طغتكين فيها أعظم الجمل التي قيلت على مرة التاريخ : "أن أمة قتلت عميدها، يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها"


رحم الله المجاهد الأول، الذي شجع كل من أتي بعده، وعلمهم معني الاتحاد، وأصل الجهاد.