فخر الدين الرازي وتلميذه العلوي


حدث النسابة إسماعيل بن حسين العلوي، قال:
ورد فخر الدين الرازي إلى مرو، وكان من جلالة القدر، وعظم الذكر، وضخامة الهيبة، بحيث لا يراجع فى كلامه، ولا يتنفس احد بين يديه.

فترددت فى القراءة عليه، فقال لى يوما:
أحب أن تصنف لي كتابا لطيفا فى أنساب الطالبيين-آل على بن أبي طالب رضى الله عنه- لأنظر فيه وأحفظه، فصنفت له المصنف الفخري، فلما ناولته إياه، نزل عن مقعده وجلس على الحصير، وقال لى : إجلس على هذه المقعد، فأعظمت ذلك وأبيا، فانتهرنى نهرة عظيمة مزعجة، وزعق علي وقال: اجلس حيث أقول لك.

فتداخلني من هيبته مالم أتمالك إلا أن أجلس حيث أمرني، ثم أخذ يقرأ في كتابي وهو جالس بين يدي، ويستفهمني عما أستغلق عليه، إلى أن أنهاه قراءة، فلما فرغ منه قال: اجلس الآن حيث شئت ، فإن هذا علم أنت استاذي فيه، وأنا أستفيد منك وأتلمذ لك، وليس من الأدب إلا أن يجلس التلميذ بين يدي الأستاذ.



شريح القاضي وابنه


يحكى أن ابنا لشريح القاضي قال لأبيه: إن بيني وبين قوم خصومة، فانظر في الأمر، فإن كان الحق لى خاصمتهم، وإن لم يكن لي الحق لم أخاصم.

ثم قص قصته عليه، فقال شريح: انطلق فخاصمهم، فانطلق إليهم فخاصمهم، فقضى شريح على ابنه، فقال ابنه لما رجع إلى أهله: والله لو لم أتقدم إليك بطلب النصح لم ألمك، فضحتني.

فقال شريح: يا بني، والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض مثلهم، ولكن الله هو أعز  على منك، خشيت ان أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم على مال فتذهب ببعض حقهم.



على هامش الحكاية:


إن دلت هاتان الحكايتان على شئ، فهما تدلان على أن هناك زمنا كان فيه العلم لمن يملكه مهما كانت مكانته، ففى لحظة يصير المعلم تلميذا والتلميذ أستاذا، ولا يتكبر المعلم أن يطلب العلم من تلميذه، ولا يتكبر التلميذ على معلمه بذلك.

وزمنا كان فيه القضاء عادلا، ومحبة الله أهم من أى محبة أو مصلحة أو نفوذ، يحكم القاضي على ابنه لأن ذلك هو الحق والعدل.


رحم الله زمان العدل والعلم والإنصاف