"وأقسم بالله خير القسم وما صنته من كريم الشيم وما خبأت مهجتي من همم وما حملته يدي من قلم وما هزني من إباءٍ ودم وما اجتاحني من عميق الألم وما اكتسحت عزمتي من قمم لأرمي بقلبي في المزدحم وأمحو عن الشعب عار الصنم وأجعله عبرةً للأمم" هكذا أقسم وقد صدق القسم .

كيف الحروف تنصف هامة عليا مثله ، من أين أبدأ ؟

هل من ثورات فكرهِ أو من صرخات شعرهِ أو من رواية غربة وحنين أو من شعارات انتصارات الأحلام في محراب السنين أو من شهادة روح لباريها أفنت عمر حاضرها وماضيها لأرض البن والعسل ..من أين أبدأ يا أيها الأديب المؤصل ، يا شاعرنا البطل. لكن وجدتني في ساعة غفلة أردد بيت ٍ شعري لهذا العملاق قائلةً:

ولـو أني حللت ربوع نجم

هممت به إلى اليمن الوثوبا

أحب موطنه لهذا يذكره هذا الموطن جيداً ، يتذكر أسمه الثلاثي لأنه شاعر ثائر، أديب فذ، سياسي برؤية، روائي وصحفيٌ ومتصوف بذل روحه للوطن.

لذا اسمح لي أيها القارئ النبيل واعذرني أيها القارئ الفطن ، إن لم توافيه الحروف أو إن لم أكن أهلاً للكتابة عنه.

البداية : في عام 1910م ولد الشاعر محمد محمود الزبيري في اليمن ، في حي البستان بصنعاء القديمة ونشاء نشاءة صوفية فطرية ، في عزلة عن واقعه المفروض كتاجر أو قاضٍ، نشاء كشاعر هام واستهام ببحور الشعر ودفقان الأدب فكان كمن ذاق وعرف فاغترف ، اتجه صوب مصر في معهد العلوم حصن اللغة العربية لإتمام تعليمه وعاد إلى اليمن عام 1941م .

كان السجن أول من احتضنه من بعد غربته فهو ثائرٌ بطبعة ، سجن كثيراً أثناء نظام الإمامة القائمة في اليمن ، فهو من منبره دعا بقلمه وخطبه ومناشدته ، زاوله القليل من الأمل حين تولى أحمد بن يحيى الإمامة بعد أبيه لكن سرعان ما تلاشى هذا الأمل من نظام الإمامة بأكمله يجسد ذلك في مقولة له " روح الإمامة تجري في مشاعرهم وإن تغيرت الأشكال والأُسسُ كفى خداعا فعين الشعب صاحية والناس قد سئموا الرؤيا وقد يئسوا والبدر في الجرف تحميه حماقتكم وأنتم مثلما كنتم له حرسُ وأنتم عودة للأمس قد قبر الـ طغاة فيكم وعادوا بعدما اندسوا وانتمُ طبعة للظلم ثانية تداركت كل ما قد أهملوا ونسو ا" لذا انتقل إلى عدن بحكم أنها في معزل عن حكم الإمامة ومن هناك اسس" جمعية اليمن الكبرى " وأصدر صحيفة "صوت اليمن ".

انتصرت الثورة في 26-سبتمبر1962م فعاد الى صنعاء كوزير المعارف بعدها تولى منصب نائب لرئيس الوزراء وعضوا في مركز الثورة لكنه استقال ولم يبتعد . لم تلبي الثورة طموحه مازالت تسايرها وجوهاً مسبقة مازالت غير ناضجة كما قال "لقد أنكرنا الظلم في العهد الإمامي، ثم أنكرنا الخطأ في العهد الجمهوري، لأن المبدأ لا يتغير بتغير الأشخاص والأسماء والأشكال." أسس حزباً جديداً اسمه حزب الله الذي كان يود أن يكون ذو طبعة إسلامية معتدلة لكنه لم يكمل مسيرته بهذا النهج فقد تم اغتياله في الأول من أبريل من عام 1965م  مخلفاً حزناً كبيراً لمحبيه.

تلخصت مسيرته من شاعر لصحفي لوزير ومن ثم استقرت لشهيد أخر قصيدة له كانت " أشجاني وآلامي" وقد حصدت أعماله لثلاثة دواوين شعر مطبوعة :

*نقطة في الظلام.

*ثورة الشعر.

*صلاة في الجحيم.

وله رواية واحدة هي "مأساة واق واق" وله كتب سياسية متنوعة .ختاماً أصدقه القول حين قال :" كنت أحس إحساسا أسطوريا بأنني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان".هذه مقولته التي آمن بها فكانت حقاً مقولة صادقة فنحنُ نردد شعرهُ الوطني بروح تغرد حباً للوطن وضميرٌ يحاكي نفسه مِراراً كفانا مَراراً.

زبيريات:

صيحة البعث

ﺳﺠﻞ ﻣﻜﺎﻧﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻳﺎ ﻗــﻠـﻢُ
ﻓﻬﺎ ﻫـﻨﺎ ﺗــﺒـﻌـﺚ ﺍﻷﺟـﻴـﺎﻝ ﻭ ﺍﻷﻣــمُ
ﻫﻨﺎ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﺍﻷﺑﻴـّﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺗـّﺤﺪﺕْ
ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺤﻨﺎﻥ,ﻫﻨﺎ ﺍﻟﻘﺮﺑﻰ,ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺮﺣــﻢ ُ
ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻣﻦ ﻣﺸﻜﺎﺗﻬﺎ ﻟﻤﻌﺖْ
ﻫــﻨﺎ ﺍﻟﻌــﺪﺍﻟـﺔ ﻭ ﺍﻷﺧـﻼﻕ ﻭﺍﻟــﺸـﻴـــﻢُ
ﻫﻨﺎ ﺍﻟﻌﺮﻭﺑﺔ ﻓﻲ ﺃﺑﻄﺎﻟﻬﺎ ﻭﺛﺒــﺖْ
ﻫــﻨﺎ ﺍﻹﺑﺎﺀ,ﻫﻨﺎ ﺍﻟﻌـﻠﻴﺎ ﻫﻨـﺎ ﺍﻟﺸــﻤــﻢُ
ﻫﻨﺎ ﺍﻟﻜﻮﺍﻛﺐ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﺮﻫﺎ
ﻭﺍﻟﻴــــﻮﻡ ﺗـﺸــﺮﻕ ﻟﻠﺪﻧﻴــــﺎ ﻭﺗﺒـﺘﺴـــﻢ
ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺼﻮﺍﺭﻡ ﻓﻲ ﺍﻷﻏﻤﺎﺩ ﺛﺎﺋﺮﺓ
ﻫﻨﺎ ﺍﻟﻀـﻴﺎﻏﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻐــﺎﺑﺎﺕ ﺗﺼـﻄـﺪﻡ
ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺒﺮﺍﻛﻴﻦ ﻫﺒﺖ ﻣﻦ ﻣﻀﺎﺟﻌﻬﺎ
ﺗﻄـﻐﻰ ﻭ ﺗﻜﺘﺴــﺢ ﺍﻟﻄــﺎﻏﻲ ﻭﺗﻠـﺘﻬــﻢ
ﻟﺴﻨﺎ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺃﻳﻘﻈﻮﻫﺎ ﻣﻦ ﻣﺮﺍﻗﺪﻫﺎ
ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻳـﻘﻈـﻬــﺎ ﻭ ﺍﻟﺴـﺨــﻂ ﻭ ﺍﻷﻟـــــﻢ
ﺷﻌﺐ ﺗﻔﻠﺖ ﻣﻦ ﺃﻏــﻼﻝ ﻗﺎﻫـــﺮﻩ
ﺣـﺮﺍ ﻓﺄﺟـﻔـﻞ ﻣﻨـﻪ ﺍﻟﻈـﻠـﻢ ﻭ ﺍﻟﻈـﻠــﻢ
ﻧﺒﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﺠﻦ ﺛﻢ ﺍﺭﺗﺪ ﻳﻬﺪﻣــﻪ
ﻛﻲ ﻻ ﺗﻜـﺒـــﻞ ﻓـﻴـﻪ ﺑـﻌـــﺪﻩ ﻗـــﺪﻡ
ﺇﻥ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﻣﻲ
ﺻﺎﺭﺕ ﺳﻬﺎمآ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺠـﺎﻥ ﺗـﻨﺘﻘــﻢ
ﺇﻥ ﺍﻷﻧـﻴــﻦ ﺍﻟـﺬﻱ ﻛﻨــﺎ ﻧــﺮﺩﺩﻩ
ﺳــﺮآ ﻏــﺪﺍ ﺻﻴﺤﺔ ﺗﺼﻐﻲ ﻟﻬـﺎ ﺍﻷﻣﻢ

أشجاني وآلامي

في ذمة الشعب أشجاني وآلامي

وفي هواهُ تباريحي وتهيامي

أنفقت عمر شبابي للحمية عن

قومي وأنفس أيامي وأعوامي

بيني وبينهمُ آلاف مهلكة

وهم دمي وهم خلفي وقدامي

ولي بقية عمر أضن بها

على بقية أهدافي وأحلامي

*************

بحثت عن هبة أحبوك يا وطني

لم أجد لك إلا قلبي الدامي

أعيش في الفلوات ليس الربد بها

ظلٌ ولا منهلٌ يحنو على الظامي

وأنشد الحب في بيد نسير بها

من باب صل إلى أشداق ضرغامِ

حريتها إعناقُ أعناقِ الصلال بها

واعتدها بعض أنصاب وأعلامِ

*****

آمنت أن لنا حقاً وأن لنا

شعباً سينهض من كابوسنا الطامي

وأن في ظلمات الغيل مأسدةً

غضبى على كل خوان وظلام

وأن في الشعب أبطالاً وأن به

هم العزاء لجراحاتي التي حملت

عزمي وهم عوض عن قلبي الدامي

يرمي إلى الهدف وآه فتسبقهُ

هوج الرياح إذا ما أخطئ الرامي

يا بحر

إني نديمك أيها اللسن

فاثبت إليَّ خفي أسرارك

أفصح فأن الناس ما فطنوا

ما قلت في هذيان تيارك

لغة كأن الجن قد فطنوا

فيها وضجوا ملء أغوارك

وأختتم بقصيدة تزرع في الروح أجنحة قصية للهمة العليا للنفس البشرية

الإنسان مغزى الكون

كل شيء فيك مسافر، كل شــــيء

في طريق المجاهل الأبديـــــــــــة

أنجما كانت ، أم طيراً في الأجواء

أم الحوت في البحار القصـــــــــية

أنت رمز الحياة، أنت فتى الميدان ،

أنت المغزى وأنت القضـــــــــية

أنت فضل السماء جندك لو تدري

استغليتَ هذه الجــــــــــــندية

سجدت نحوك الملائك إكباراً

لما فيك من معانٍ ســـــــــــنية

وأقامت دهراً حوالـــــــــــيك

تكتشف ما فيك من رموز حية

ليس تدري ما في كيانك من فضل

وشأن ، وقيمـــــــــــــــة رمزية.