أخي الحبيب كيف حالك في الخلوات؟
هل هو نفس الحال الذي تكون عليه أمام الناس أم أنه يكون حالٌ آخر؟
هل أنت ممكن إذا خلوا بمحارم الله انتهو عنها واستغلوا هذه الخلوة في طاعة الله بعيداً عن أعين الناس حيث لا رياء ولا مراءاة إلا الإخلاص والصدق مع الله؟
أم أنك ممن إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها وجعلوا الله أهون الناظرين إليهم؟
كل هذا الأسئلة إجابتها عندك أنت فأنت الوحيد الذي يعلم سر علاقتك بربك.
كان أحد السلف يقول "لا تسب الشيطان في العلن وأنت وليه في السر"
وقال أحدهم "لا تكن ولياً لله في العلن عدواً له في السر"

فإن كنا نوقن فعلياً أنه يرانا فكيف نتجرأ على معصيته ، وكيف نجعله أهون الناظرين إلينا !!
قال تعالى :﴿يَستَخفونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَستَخفونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُم إِذ يُبَيِّتونَ ما لا يَرضى مِنَ القَولِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعمَلونَ مُحيطًا﴾
[النساء: ١٠٨]

فأين نحن من درجة الإحسان التي عرّفها لنا نبينا وحبيبنامحمد ﷺ (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)وهذا جزء من الحديث المشهور الذي رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 

وأين نحن من نصيحته ﷺ لابن عباس(اتق الله حيثما كنت )والمعني بقوله (حيثما كنت)في السر والعلانية، مع الناس أو في خلوة. 

لخص أحد علماء السلف رحمهم الله،لو رأيت أحدا ممن كان مشهوراً بالالتزام معروفاً عند أهل الخير والإقدام، لو رأيته وقد تبدل حاله وانتكس فأعلم أن الأمر لم يكن صدفة ولم يأتي بغتة ، فإنه بارز الله بالمعاصي في الخلوات حتى
تكاثرت على قلبه فظهرت في العلن. 


لقد أخبرنا نبينا ﷺ بأُناسٍ يأتون يوم القيامة بحسناتٍ كأمثال الجبال ثم يحولها الله عز وجل إلي تراب، هؤلاء كانوا يصلون ويصومون بل ويقيمون الليل ولكنهم كانوا إذا خلوا بالله جعلوه أهون الناظرين إليهم فهؤلاء أولياء لله في العلن لكنهم أعداءٌ له في السر
في سنن ابن ماجه وصححه الألباني عن ثوبان مولي الحبيب النبي أن النبي ﷺ قال "لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، ثم يجعلها الله هباءً منثوراً، فقال ثوبان يا رسول الله صفهم لنا جلهم لنا لعلنا نكون منهم ونحن لا نعلم، فقال ﷺ أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوامٌ إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها "
يا الله من هذا الحديث المرعب الذي يكادُ قلبُ السامع له أن ينفطر خوفاً مما فيه من الوعيد الشديد، وإذا كان هذا صاحبُ رسولِ الله ثوبان وقد خشي علي نفسه أن يكون منهم فما بالك بنا نحن ونحن المقصرون المذنبون!

أيها الأحبة إن لذنوب الخلوات آثارٌ سيئة وعواقبٌ وخيمة لو علمها الإنسان لارتدع عن فعلها...
فمن هذه الآثار السيئة :

* أنها تورث العبد ظلمةً في الوجه وظلمة في القلب وقسوة فالمصر علي هذه الذنوب قد يطبع علي قلبه بالران فلا يكاد يتأثر بموعظة ولا يؤثر فيه آية قال سبحانه :‏ ﴿كَلّا بَل رانَ عَلى قُلوبِهِم ما كانوا يَكسِبونَ﴾[المطففين: ١٤]
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه (إن للحسنة ضياءً في الوجه ، ونوراً في القلب ،وسعةً في الرزق ، وقوةً في البدن،ومحبة في قلوب الخلق،وإن للسيئة سواداً في الوجه ،وظلمةً في القلب،ووهناً في البدن,ونقصاً في الرزق،وبغضةً في قلوب الخلق) روضة المحبين (ص 441)

*وكذلك من آثار ذنوب الخلوات وعواقبها أنها تسقط العبد من نظر الله عز وجل، يقول ابن الجوزي عليه رحمة الله :
[والحذر الحذر من الذنوب، خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه. وأصلح ما بينك وبينه في السر، وقد أصلح لك أحوال العلانية، ولا تغتر بستره -أيها العاصي- فربما يجذب من عورتك، ولا بحلمه فربما بغت العقاب.]

* أيضاً من عواقب هذه الذنوب :
*نفور المؤمنين من العبد المقيم علي ذنوب الخلوات

قانونٌ لا يتخلف: ما أسَرَّ عبدٌ سريرة إلا أظهرها الله على قَسَماتِ وجهه وفلتات لسانه؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشَرٌّ. فمن لمح نفور الصالحين عنه وتباعد المخلصين منه فليراجع أعمال سرِّه.

قال ابن الجوزي: "وقد يُخفي الإنسان ما لا يرضاه الله عز و جل، فيُظهِره الله سبحانه عليه ولو بعد حين، ويُنطِق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس، وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق، فيكون جوابًا لكل ما أخفى من الذنوب، وذلك ليعلم الناس أن هناك من يُجازي على الزلل".

*وأيضاً من عواقبها:
-أنها سببٌ في انتكاسة العبد عن طريق الهداية
قال ابن القيم رحمه الله : (وقد أجمع العارفون بالله أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات وأن طاعات الخلوات هي أعظم أسباب الثبات) فقد يستقيم العبد في طريق الهداية ثم يترك هذا الطريق وينتكس بسبب خلوته السيئة بخلاف إذا كانت خلوة الإنسان خلوة صالحة من قيام ليل أو صدقة أو عمل صالح فإنها تثبته علي طريق الهداية بل وتنجيه من المهلكات...

فكما أن ذنوب الخلوات مهلكات فكذلك طاعات الخلوات منجيات وتدبر قصة الثلاثة الذين سدت عليهم فوهة الغار
ما الذي نجاهم؟
استغاث كلُّ واحدٍ منهم بعملٍ صالح في السر كان بينه وبين الله فقط فنجاهم الله بهذه الأعمال.

*وأيضاً من عواقبها :

-أنها سببٌ في سوء الخاتمة عند الموت..
قال ابن رجب الحنبلي : (وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس إما من جهة عمل سئ ونحو ذلك فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت)

ولذلك خاتمة الإنسان متوقفة علي خلوته إن كانت صالحة رزق حسن الخاتمة وإن كانت سيئة ختم له بخاتمة السوء والعياذ بالله...
ومما يؤكد هذا الكلام قصة شهيرة حكاها أحد المشايخ المعاصرين وهي قصة شاب كان في العشرين من عمره كان مسرفاً علي نفسه من ذنوب الخلوات فكان يدخل علي المواقع الإباحية ليل نهار في يومٍ من الأيام نادته أمه فلم يجبها ففتحت عليه باب غرفته فوجدته عارياً أمام هذه الأفلام مستلقياً علي ظهره والمفاجأة أنه كان ميتاً جاءه الموت وهو علي هذه المعصية فختم له بخاتمة السوء والعياذ بالله
قال ابن كثير رحمه الله "وقد أجري الكريم عادته علي أنه من عاش علي شيئاً مات عليه ومن مات علي شئ بعث عليه"

يعني أن هذا الشاب سيبعث علي هذه الحالة يوم القيامة

قال ﷺ(يبعث كل عبد علي ما مات عليه).
فاللهم ارزقنا حسن الخاتمة...

أيها الأحبة كما أن لذنوب الخلوات آثارٌ سيئة فإن لطاعات الخلوات آثارٌ طيبة : وهذا ما سنتعرف عليه في المقال التالي... (الخلوات=الوجه الحقيقي لشخصيتك) 2

،،،،، يتبع