فمن آثار طاعات الخلوات أنها تورث العبد نوراً في الوجه وضياءً وبصيرة في القلب ومحبة في قلوب الخلق...


*لما أسر البطل المغوار عمر المختار وسيق به إلي مكتب قائد القوات الإيطالية وكان يدعي(جراتسياني) فاستجوبه وحقق معه، ثم قال بعد ذلك في مذكراته في كتاب -برقة الهادئة-

يقول: (لما أدخل علي عمر المختار انتابتني رعدة شديدة ولم اتمالك في نفسي إلا أن اقول هذا قديس "أي رجل صادق" ولم استطيع أن اتكلم لمدة من فرط هالة النور التي تحيط بوجه عمر المختار) فأصحاب طاعات الخلوات يظهر علي سيماهم أثر هذه الطاعات؛ لذلك كان وكيع بن الجراح إذا سار في السوق كبر الناس وقالوا سبحانك ما هذا بشرا إن هذا إلا ملكٌ كريم.. 

يقول سعيد بن المسيب : (إن الرجل ليصلي بالليل فيجعل الله علي وجهه نوراً يحبه عليه كل مسلم حتي إن الرجل ليلقاه فيقول إن لأحب هذا الرجل ولا أعرفه) 

سبحان الله ! بمجرد أن يراه يحبه وهو لا يعلم شيئاً عن سريرته، ولكن يقذف الله حبه في قلوب الخلق وهذا مصداق قول الله تبارك وتعالي :

﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمنُ وُدًّا} [مريم: ٩٦]

ولما سألوا الحسن البصري قالوا له يا أبا سعيد ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهاً وأكثر الناس نوراً فقال لهم : (لأنهم خلوا بالله عز وجل فأعطاهم من نوره). 


ومن آثار طاعات الخلوات وثمراتها: 

علامة صدق الإيمان:

فلا يتقرب إلى الله في الخلوة إلا رجل يوقن أن الله يعلم سره ونجواه ، و ما أعلنه و ما أخفاه ، وهذا يبلغ بالعبد مرتبة الإحسان العالية ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )

ومن ثمرات طاعات الخلواتـ 

-الثبات في المحن والشدائد والفتن:

فعبادة السر من أعظم أسباب الثبات في المحن والفتن، و من أكبر أسباب القوة في ترك الشهوات والشعور بلذة العبادات، ونور الوجه والقلب، وانشراح الصدر، والتوفيق في القول والعمل

قال ابن القيم رحمه الله: "الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات"... قال الشيخ الطريفي " فكلما زاد خفاء الطاعات كلما زاد ثباتك، كالوتد المنصوب يثبت ظاهره بقدر خفاء أسفله في الأرض، فيقتلع الوتد العظيم، ويعجز عن قلع الصغير.. والسر فيما خفي. "

وجل المنتكسين عن طريق الحق أصحاب ظواهرصالحة لكنهم أصحاب ذنوب خفية يبارزون بها العليم الخبير و يستخفون بها من العبد الحقير

وقد قيل: "إن من أسباب الثبات: طاعة الخلوات فيما بينك وبين الله، والمحاسبة فيما بينك وبين نفسك، والصحبة الصالحة فيما بينك وبين الناس".

-ومن ثمرات طاعات الخلوات أيضاً أنها بجعل العبد أبعد عن الرياء:

فالمرائي إنما يعمل ليراه الناس، ويحسن ليمدحوه أو يحمدوه، وأهل الإيمان والصدق إنما يعملون لوجه الله، فهم يتخفون عن أعين المخلوقين:

وقد سأل رجلٌ حذيفة بن اليمان: هل أنا من المنافقين؟

قال: أتصلي إذا خلوت، وتستغفر إذا أذنبت؟ قال: نعم .

قال: اذهب فما جعلك الله منافقا.

{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}(النساء: 142)

ومن يشكو من الرياء فغالبا لأن عبادته في السر قليلة أو معدومة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنِ استطاعَ منكم أنْ يكونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عمَلٍ صالِحٍ فلْيَفْعَلْ] ( صحيح الجامع ) أي عمل صالح مخبوء لا يطلع عليه أحد إلا الله . 

ـ أكثر أجرا وأعظم أثرا:

فصدقة السر أفضل من صدقة العلانية: {إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}(البقرة: 271 )، وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}(المزمل:6)، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}(الإسراء:79 )، وفي الحديث: [أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر] رواه الترمذي ، ولذا قال عبد الله بين عمرو بن العاص: "لأن أصلي ركعة بالليل أحب إلي من أن أصلي عشرا بالنهار"، وصلاة النوافل في البيت أفضل، والصوم أفضل الأعمال لأنه لا يطلع عليه إلا الرب سبحانه ، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، منهم صنفان يحرصان على إخفاء أعمالهم الصالحة [ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ ، فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تُنْفِقْ يمينُهُ ، ورجلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضتْ عيناهُ](رواه البخاري)

ـ صلاح القلب واستقامته وطهارته:

وتنقيته من شوائبه، وتطهيره من سواده وبوائقه.. قال بعض الصالحين : "من أكثر عبادة السر أصلح الله له قلبه شاء العبد أم أبى". وقال آخر: "من اشتكى ضعفا (أي في إيمانه) فخلوته بربه نادرة"؛ لذا كان زاد النبي صلى الله عليه وسلم خلوة الليل: {ياأيها المزمل . قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا . أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا}(المزمل:1ـ4)

 ـ رصيد ينفع عند الشدائد والأزمات:

قال الله تعالى عن يونس عليه السلام: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(الصافات:143ـ144)، وفي حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أنهم بحثوا عن الخبيئة الصالحة الخالصة ليخرجوا من أحلك الظروف.

ـ القبول والثناء الحسن:

أي إطلاق الله ألسنة الخلق بالثناء عليه، وإن كان هو لا يقصد ذلك ولا يسعى إليه، أو ربما لا يرضاه، قال ابن الجوزي: "من أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في إصلاح السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر".

قال ابن المبارك: "ما رأيت أحدا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون السريرة".

قال ابن الجوزي: " ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻳﺨﻔﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻄﺎﻋﺔ ﻓﺘﻈﻬﺮ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻳﺘﺤﺪﺙ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻬﺎ ﻭﺑﺄﻛﺜﺮ ﻣﻨﻬﺎ، ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﻌﺮﻓﻮﻥ ﻟﻪ ﺫﻧﺒﺎ ﻭﻻ ﻳﺬﻛﺮﻭﻧﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻤﺤﺎﺳﻦ، ﻟﻴﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺭﺑﺎ ﻻ ﻳﻀﻴﻊ ﻋﻤﻞ ﻋﺎﻣﻞ. ﻭﺇﻥ ﻗﻠﻮﺏ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﺘﻌﺮﻑ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻭﺗﺤﺒﻪ، ﺃﻭ ﺗﺄﺑﺎﻩ، ﻭﺗﺬﻣﻪ، ﺃﻭ ﺗﻤﺪﺣﻪ ﻭﻓﻖ ﻣﺎ ﻳﺘﺤﻘﻖ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻜﻔﻴﻪ ﻛﻞ ﻫﻢ، ﻭﻳﺪﻓﻊ ﻋﻨﻪ ﻛﻞ ﺷﺮ. ﻭﻣﺎ ﺃﺻﻠﺢ ﻋﺒﺪ ﻣﺎ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻨﻈﺮ ﺍﻟﺤﻖ، ﺇﻻ ﺍﻧﻌﻜﺲ ﻣﻘﺼﻮﺩﻩ ﻭﻋﺪ ﺣﺎﻣﺪﻩ ﺫﺍﻣﺎ." ( صيد الخاطر ) وفي الحديث: [و من التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس .. الحديث]


وأخيراً من ثمرات طاعات الخلوات أنها تجعل للعبد كرامة عند الله وترفعه بها منازل ولذلك لما سألوا أحمد : مابال الليث ابن سعد أفقه وأعلم من مالك ولم يشتهر كشهرته قال لعل الإمام مالك كان له سريرة

وكذلك فإن الإمام أحمد كان يعاصر علماء كبار ولكن لم يشتهروا كشهرته وعلي صيته وتفوق علي أقرانه بعدة أسباب منها ما قاله إبنه عبدالله قال (كان أبي يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة) فالله الله في الخلوات أيها الأحباب فهي التي تبين تقواك.. 

اسأل الله أن يصلح لنا سريرتنا وعلانيتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وهو بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.