سيعود بي الزمن الى هذا النص في زمن قريب، ربما سأكون أقل هشاشة مما عليه أنا اليوم، وتجف الدموع التي تتساقط من الفؤاد والتي تأبى المقل أن تطلق سراحها. أعلم أنني عند دخولي في التجربة سأخرج منتصرة أو مهزومة، لا توجد منطقة وسطى، ولا وجع الرحيل باق.

لن نعود من الرحلة كما دخلناها، ولو حاولنا ولو عاندنا تيار الوجع، سيتركنا كل شيء في مهب الذكريات، على بساطتها أو قلة عددها، توجعك. ولكن حاول أن تستمتع لحظات الوجع، ستفهم بشكل أعمق أبيات درويش وأحمد شوقي، ستقدر الوقت و ستحاول مرة أخرى أن لا تضيعه وراء السراب، كأس النبيذ المعتق لن يسلبك كالماضي بل عيون في مجاريها ستستقر...وتحاربها.

ستتخلص من تلك الأماني التي لم يكتب لها الخروج من عتمات الروح، عندما تعود من التجربة، إلى ذلك النور في آخر النفق، حيث لا أحد سوانا، تلك الأماني التي تداعب سكوني وتسرقني من الصحو الى التيه الجميل، الذي لا أريد منه الرجوع حتى ولو سحبتني قوى السماء والأرض، تلك الأمنيات يا عزيزي التي أبيت ان أفصح عنها يوم اللقا ولما يا ترى البوح الذي لن يغير من الكثير القليل لما؟

نصوص خاصة جدا في مفكرات، حبيسة القوافي والكلمات، تتردد حائرة أمامها، هل ترسلها أم تكمل رحلة سجنها، ولا الاجابة تطاوعها، ولا جرأتي يوم استطاعت أن تظهرها، وكنت أغبى من فهم كل تلك الواضحات، لأضيع وحدي في سراديب التجربة.

قبل العودة، ستظل تنتظر الأبد، وعقارب الساعة تصبح أثقل، وتعيش على استعارات درويش وتبنى الآمال وتمني النفس بقصص المعجزات، وتنام وسط نار الترقب وتضيع. لتحاول العودة بعد ذلك فتجدك مسجونا، في بئر ولا عزيز يمر من جانبه لينتشلك.

في التجربة، ستستمر باختلاق الأعذار، ربما ربما و ربما، ولا أحد يحب الإنتظار، ولا أحد يستحق الانتظار. لتنهي رحلة شكك واحتراقك بذلك البيت الشعري الجميل، لا أريد من الحب سوى البداية….وستبكي يا عزيزي على انتهاء البداية، ليت البداية باقية، ليت البداية خالدة.

أتمنى لو أننا لم نلتقي، وسأتمنى لو أننا لم نفترق، وبين الاثنين تيه خفيف على الجسم ثقيل على القلب، توهجه لا يبدو ظاهرا للعيان فتحرم حتى من المواساة، التجربة عبثية لدرجة تحرمك من اقامة مراسم الجنازة، تأمرك بالحداد وحدك، على روح سكنتك وحدك ولم تلبث أن استقالت منك، ولم تستقل أنت، فتصير الضحية رغما عن أنفك لأنك وقعت سلفا على بند من بنود التجربة التي شرحت لكما أن واحدا سيعطي والأخر سيأخذ وواحد سيطرح أرضا بينما الثاني سيمضي و"ينسى كوردة في الثلج". ومرة ثانية ستتهم القدر بأنه السبب، وتلوم كل شيء إلا الحقيقة، التي كانت ملك يمينك، قبل الدخول في التجربة، لكنك تجاهلتها وصرت في عداد موتى الهوى، ولا تقلق، ستحيا، فكن أقوى لتحارب تجارب أخرى.

ستستمر بالسؤال كما فعل درويش في الماضي عندما تقف في نار الوسط، هل في الطريق، أم الوصولِ إلى نهايات الطريق المُفْرحَهْ؟

وإذا وصلتُ فيكَيفَ أمشي؟ كيفَ أرفعُ فكرةً أو أغنيهْ

….وعليَّ أن أنسى لأنفضَ عن يديَّ سلاسل الطُرقِ الكثيرهْ

وعليَّ أن أنسى هزائميَ الأخيرة كي أرى أُفُقَ البدايهْ

وعليَّ أن أنسى البدايةَ كي أسيرَ إلى البدايةِ واثقاً منِّي ومِنها

فامضي بثقل التجربة إلى جنتك، فتحرر هناك من بواقي الحب، والعاطفة، وكل الكره الحيرة، تحرر من صداقات جارحة ومن ذكريات لم تظن يوم أنها عابرة، تحرر من الأسماء والأشياء والأماكن، تحرر من روحك التي قد تميل، ولا تدخل في تجربة جديدة إلا عندما تغرق في الحرية. "فأشهد أنني حر وحي عندما أنسى"