سورة يوسف سورة عجيبة ، وقصته أعجب من العجب ، في كل مرة تقرأها تجد فيها عبرة جديدة و درس غير مسبوق ، أعتقد أن البطل الحقيقي في هذه القصة هو الحب ، وهو الدرس الأعظم الذي يجب أن نتعلمه جميعا من هذه القصة علي وجه التحديد .

و أعني بالحب هنا هو حب الله عز وجل الذي يجب أن يكون في قلوبنا له النصيب الأكبر و المكانة الأولي والمقام الأعلي ، وهذا الحب الإلهي الموجود في القلب لا يمنع أبدا أن يسكن معه أنواع الحب المشروعة الأخري كحب الأنبياء و المرسلين والصالحين وحب الوالدين والأبناء و الزوجة وحب الناس أجمعين ، حتي حب الدنيا والشهوات طالما أنها في حيز المشروع و المسموح به ، لأن كل أنواع الحب المشروعة هذه ماهي في الحقيقة إلا صور وظلال من أصل الحب الإلهي ، ولكن بشرط أن لا ينازع أي نوع من هذه الأنواع الحب الإلهي ويحاول أن يعلو عليه .

و إن حدث هذا تقع الأزمة ، ويحدث الإبتلاء ، ويبدأ الإنسان في المعاناة والألم والعذاب ، فنحن في الحقيقة أيها السادة نُعذب بما نحب ونُبتلي فيما نحب إذا تجاوز هذا الحب حدود المشروع .

ومن هنا تبدأ قصة سيدنا يوسف الذي إبتلاه الله تعالي بمحبة الناس إليه ، و بنفس السلاح إبتلي الله محبيه حين تجاوزوا الحد في محبته .

و لنبدأ من عند سيدنا يوسف نفسه ، ونعرف كيف كانت محبة الناس إبتلاءا شديدا له :

حين أحبته عمته حبا شديدا وهو طفل صغير في السابعة من عمره ، لدرجة أنها لم تكن تطيق فراقه يوما واحدا ، اضطرتها هذه المحبة أن تبقيه عندها بإستخدام حيلة ، و هي أنها إتهمته بسرقة حزام أبيها إسحاق عليه السلام و إرتدائه له بدون إذنها ، و كان عندهم أن عقوبة السارق أن يصير عبدا لمن سرق منه ، ووافق يوسف علي ذلك إرضاءا لها و شفقة بها فظل عندها حتي ماتت ، ثم إنتقل إلي رعاية أبيه والذى كان هو الآخر لا يطيق فراقه ولولا هذه الحيلة التي لجأت إليها أخته ما تركه عندها يوما واحدا .

ثم يأتي الإبتلاء الثاني بسبب محبة أبيه له الزائدة والتي لا تتناسب مع مقام النبوة و إن كانت تتناسب مع من هم دونه في المقام والمنزلة .

حين أحب يعقوب يوسف و أسرف في محبته ،إبتلاه الله تعالي بفراقه حتي ينزع هذا الحب الزائد في قلبه ولا يبقي في قلبه إلا محبة الله ، كما حدث مع جده إبراهيم من قبل حين أمره بذبح ولده حتي يتخلص من كل شائبة تشوب محبة الله في قلبه .

وفي نفس الوقت تسببت هذه المحبة المفرطة من يعقوب لابنه في أن يقع أبناؤه العشرة في الحسد والحقد الشديد علي يوسف ، فهم كان ينشدون أيضا أن يكون لهم النصيب الأكبر من قلب أبيهم ، فأوقعتهم هذه المحبة في إبتلاء شديد بدورهم ، دفعتهم لإلحاق الأذي بيوسف وضربه و إهانته و محاولة قتله حتي إنتهي بهم الأمر لتغييبه في الجب و تغريبه حتي يخلو لهم وجه أبيهم .

وما زالت المحبة تلعب دورها في تعذيب أهلها وإلحاق الأذي بهم حين يضعونها في غير موضعها ، أو تأخذهم هذه المحبة مأخذا بعيدا عن المحبوب الأعلي ، فهاهي زليخة إمرأة العزيز تفرط في محبة ربيبها الذي تربي في حجرها وصار كولدها ، ولكن الحب الغير مشروع حين يتمكن من شغاف القلب يقود صاحبه إلي أن يخترق كل الحدود المشروعة ، فتراوده عن نفسه فيتعفف عليه السلام ، فيسجن جراء هذه المحبة التي لا ذنب له فيها

و تنتهي القصة النهاية السعيدة والصحيحة حين يعود كل شىء إلي وضعه الصحيح ، وتلتئم الجروح حين يكون الحب في القلوب بالميزان الذي وضعه الله عز وجل لكل نوع من أنواع الحب ، فيعود الإبن الغائب إلي حضن أبيه حين يستسلم الأب لقدر الله ، و يجتمع الإخوة مرة ثانية حين يدركون أنه لن يكون إلا ما أراده الله ، و أن المحبة رزق بيد الله وحده .