كلما قرأت سورة يوسف ، توقفت متعجبا متأملا عند قول الله عز وجل (( قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه )) ، بل و كثيرا ما تمنيت لو أني لقيت سيدنا يوسف عليه السلام لأسأله لم دعوت الله وطلبت منه أن يكون السجن نجاة لك و بديلا عن الوقوع في وحل الشهوات وبراثن تلك النسوة الللاتي راودنك عن نفسك ؟ ولم لم تطلب العافية لتنجو منهن بدلا من السجن ؟ ولو كنت فعلت ذلك لأعطاك الله ذلك و عوفيت .

فقد علمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نسأل الله العافية كما ورد في الحديث " سلوا الله العفو والعافية " وعلمنا أيضا أن لا نطلب النجاة من البلاء بالوقوع في بلاءا آخر ، لأن رحمة الله تعالي وفضله أوسع من أن نضيقها أو نحصرها فيما لا طاقة لنا به .

حينما جاء رجل إلي النبي وقال : اللهم أرحمني و محمدا ، فقال النبي : يا هذا لقد ضيقت واسعا ، هلا قلت اللهم أرحمنا برحمتك الواسعة .

 وفي حوار بين الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري والإمام الحسين بن علي رضي الله عنهم ، قال أبو ذر : والله للفقر أحب إلي من الغني ، والبلاء أحب إلي من العافية ، فقال الإمام الحسين سبط رسول الله وحبه وكان ذو علم و فقه ، أما أنا فأحب ما يختاره الله لي الفقر أو الغني ، العافية أو البلاء

فالشاهد في هذا الأمر أن العبد عليه أن يطلب معالي الأمور دائما " أطلبوا الفردوس الأعلى ..."

ثم بعد ذلك عليه أن يفوض الأمر لله ويرضي بقسمة الله له ، ويثق في أن إختيار الله له هو الأنسب والأفضل له ، لأن الله تعالي يعلم ما يناسب كل عبد ويصلحه ، (( الله يعلم و أنتم لا تعلمون )) ، فمنا من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغناه الله تعالي لأفسد في الأرض و طغي و تجبر ، ومنا من لا يصلحه إلا الغني  ، ولو إفتقر لإمتدت يده للحرام .

و رضي الله عن أبي يزيد البسطامي الولي التقي الذي ناجاه ربه حبا وكرامة فقال : يا أبا يزيد ماذا تريد ، قال : ياربي أريد أن لا أريد ، وفي رواية أنه قال : ياربي لا أريد إلا ما تريد ، فكن يا عبد الله مع ربك كالميت بين يدي مغسله ، أدعوه بما تشاء و كن له كما يشاء .

أما عن دعاء سيدنا يوسف ، فالله تعالي أجري علي لسانه ذلك ليوافق ما كتبه الله تعالي في اللوح المحفوظ منذ الأزل ، و من أجل أن يبدأ سيدنا يوسف دعوته إلي الله تعالي في السجن حيث قاع المجتمع ، و حتي يتعلم المسلم أن الدعوة إلي الله إنما تكون في كل مكان و زمان و مع أي إنسان .

نسأل الله تعالي القبول .