الفكرة وليدة التأمل ، والحكمة وليدة النظر والاعتبار ، كما أن الحاجة أم الاختراع ، واللغة بنت المحاكاة ، والحياة والتجارب هي المدرسة الحقيقية التي نتعلم منها كيف نحيا وكيف نعيش .

فمن حكمة الله تعالي أنه أودع في كل المخلوقات والكائنات التي نراها في هذا الكون ما نحتاج إليه من الصفات والأسباب والوسائل التي نحتاج إليها من أجل أن نتعلمها ونأخذ بها فنحيا ونعيش كما ينبغي .

فلولا الغراب الذي أرسله الله تعالي لابني آدم ما تعلمنا كيفية دفن الموتي ((فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه)). 

ولولا رأينا الطيور تطير وتسبح في الفضاء بجناحيها ما تعلمنا كيف يكون الطيران وكيف نصنع الطائرات التي يحملها الهواء كما يحمل الطيور .

ولولا الأخشاب التي رأيناها بأعيننا  تطفو علي الماء ما تعلمنا كيف نصنع السفن ونسافر عبر البحار ، ولولا سقطت ثمرة التفاح بين يدي نيوتن ما تعلمنا قانون الجاذبية وعلم الفيزياء .

فانظر أيها الإنسان حولك وتعلم ، إذا أردت أن تكون إنسانا ، و أتحداك أن تنظر إلي مخلوق بعين الإعتبار إلا وستجد فيه ما تحتاج إليه من صفات أنت في أمس الحاجة إليها من أجل أن تكون إنسانا يستحق أن يكون خليفة الله في الأرض .

هذه الأشجار بجمالها وروعتها وثباتها في مكانها ، تولد وتعيش وتموت في مكان واحد ، أليست هذه الأشجار جديرة بأن نتعلم منها كيف يكون الثبات علي المبدأ ؟ وكيف يكون الإصرار ؟، ألا نتعلم منها كيف نواجه أعدائنا بثبات وقوة وشجاعة كما تواجه هي الإعصار ؟

ألا نتعلم من بعضها حين تشتد الأعاصير عليها كيف ننحني بعض الشيء حين نواجه مالا طاقة لنا به فتمر الأزمات علينا بسلام ؟

ألا نتعلم منها كيف نمنح الآخرين ظلا يتمتعون فيه بالأمن والأمان ، والراحة والسلام ، ألا نتعلم منها كيف يكون الإنتماء إلي الأرض والأوطان ؟

ألم تدرك يا إنسان كيف يزداد انحناء الأشجار حينما تكون محملة بكثرة الثمار ؟ ، فتتواضع أنت للآخرين إذا كنت ذا علم وصاحب أسفار ، أم تتعالي علي الآخرين بجهلك وفراغك من العلم كما تفعل بعض الأشجار العالية الخالية من الأوراق والثمار ؟

انظر إلي النسر يا صاح ، أقوي الطيور وأرفعها وأعلاها شأنا ، كيف تفعل حين تأتيها الغربان لتنال من فريستها شيئا وهي تطير في أعالي السماء ؟ فتأبي أن تضربها بأجنحتها وهي قادرة علي ذلك وتكتفي بأن ترتفع عاليا في السماء إلي مكان لا تصل فيه إليها الغربان ، ترفعا منها وتساميا عن إظهار القوة أمام ضعيف او صغير الشان .

وانظر أيها الإنسان إلي جريان الماء أمام عينيك في الجداول والأنهار ، وانظر إليه راكدا في البرك والمستنقعات ، حتي لا تتوقف عن السير والمسير ، والعلم والعمل والإنتاج ، فأنت صاحب رسالة خلقت من أجلها ، فإما أن تتمها بخير وإما أن تكون كالأنعام .

وناهيك يا صاح عن سائر المخلوقات والكائنات ، فكلها خلقت من أجلك ، سخرها الله تعالي لخدمتك ولتعليمك كيف تكون الحياة . (( قل سيروا في الأرض ثم انظروا......)) .