التشاور مع الآخرين و إستشارة المقربين من الأهل والأصدقاء في مختلف الأمور الهامة و الحيوية من تمام العقل و كمال الرجولة و حسن الدين .

فالشورى مبدأ أرساه الإسلام و ألزم الله تعالي به عباده ، و وصف به خاصة عباده المؤمنين في سورة أسماها الشورى ، وذلك لأهميتها في إستقرار الأمور سواء علي مستوى الفرد أو الجماعة أو في توطيد أركان الحكم و الدولة فقال تعالي (( و أمرهم شورى بينهم )) .

كما أن النصح والتناصح و التواصي بين المسلمين سنة سيد الأنبياء و المرسلين ، ووصية رب العالمين (( و العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر )) ،  وقال رسول الله صلي الله عليه و سلم  :      " الدين النصيحة " قلنا لمن يارسول الله ؟ قال : لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم " .

و كان النبي صلي الله عليه و سلم لا يتواني أبدا في إستشارة الآخرين في شئون الحكم و الحرب بل و في شئونه الخاصة ، و كان ينزل عن رأيه إذا وجد الرأي الأنسب و الأصح الذي يتفق مع المصلحة العامة و ما ينفع المسلمين .

 في غزوة بدر حينما خرج مع المسلمين يريدون قافلة قريش ، و لكن أراد الله لهم أمرا آخر ، ولما علم النبي أنها الحرب لا مفر إختار النبي منزلا بالقرب من ماء بدر و قال : هاهنا المنزل إن شاء الله ، جاء الصحابي الجليل الحباب بن المنذر وقال يارسول الله : أهذا منزلا أنزلكه الله أم هو الحرب و المشورة ؟ قال : بل هو الحرب و المشورة قال يا رسول الله : فانزل بنا عند أدني ماء من القوم ونغور ما سواه فنشرب و لا يشربون ، فوافق النبي حين وجد أن هذا هو الرأي الأنسب للقاء قريش .

و كان النبي صلي الله عليه وسلم يقبل الرأي من الشباب كما يقبله من الشيوخ ذوو الرأي و الحكمة بل و من زوجاته طالما أن هذا الرأي يتفق مع يقتضيه الحال و الصالح العام .

في غزوة الحديبية حينما رفضت قريش أن يدخل النبي و أصحابه مكة لأداء العمرة ، و أرسلت سهيلا بن عمرو سفيرا لها ليعقد مع النبي صلحا كان من أهم شروطه المجحفة أن يعودوا من عامهم هذا دون أن يؤدوا العمرة علي أن يكون ذلك في العام القابل ، ووافق النبي صلي الله عليه و سلم بالرغم من إعتراض كثير من المسلمين علي هذه الشروط الظالمة و خاصة سيدنا عمر بن الخطاب الذي قال يارسول الله : ألسنا علي الحق و عدونا علي الباطل ؟ قال : بلي قال  : فلم نعطي في ديننا الدنية ، و حينما أمرهم النبي أن يذبحوا الهدي و يحلقوا إستعدادا للعودة لم يفعلوا ما أمر به النبي ، بالرغم من أنه أمرهم ثلاثا ، فلما وجد النبي منهم ذلك دخل خيمته حزينا و عرض الأمر علي السيدة الحكيمة أم سلمة التي كانت تصحبه في هذه الغزوة فقالت يارسول الله : إن القوم دخلهم ما رأيت فلا تكلمن منهم أحدا ، و إخرج لهم و إنحر هديك و أحلق رأسك أمامهم ، فإن وجدوك فعلت ذلك فعلوا ، وبالفعل خرج النبي صلي الله عليه و سلم و نحر الهدي و حلق رأسه فلما رأي القوم ذلك نحروا هديهم و حلقوا رؤوسهم ،

هكذا كان النبي صلي الله عليه و سلم والذي كان أسوة لنا ، يعلمنا أن قبول الرأي السديد حتي ولو كان من الزوجة لا يتعارض أبدا مع رجولة الزوج و تمام عقله و حكمته ، ورضي الله عن الإمام علي كرم الله وجهه الذي كان دائما يقول : الرجال ثلاثة ، رجل رجل ورجل نصف رجل ، و رجل لا رجل ، فأما الرجل الرجل أي كامل الرجولة فهو ذلك الرجل صاحب الرأي السديد و يستشير ، فهو قادر علي إسداء النصح ويقبله من الأخرين ، أما الرجل نصف الرجل وهو ذلك الرجل القادر علي إسداء الرأي السديد و النصح ولكن لا يقبله من الآخرين ، فالتعصب للرأي الواحد و عدم قبول الرأي الآخر إنما هي من شيم أنصاف الرجال ، أما الرجل اللارجل فهو ذلك الجاهل جهلا مركبا الذي لا يملك رأيا سديدا و مع ذلك لا يقبل نصحا من الآخرين