ترددت كثيراً قبل كتابة هذه القصة لأنني خفت أن لا أتمكن من التعبير عن واقع هذه القصة بالوحشية المناسبة و ما هي عليه في الواقع و أظنني لن أتمكن من وصفها بالطريقة المناسبة لأنه ما من كلمات تستطيع التعبير عن وحشية أولئك الشياطين الذين جلبوا لنا الموت

انها إهداء الى كل من زارهم الموت، لكل من زاروه في جحيمه، لكل من في سوريا و كل من في غيرها من المعذبين و المشردين...

كان يوماً عادياً بالنسة لنا، و ليس كذلك بالنسبة لغيرنا، نلعب فيه بالأسلحة التي تطلق خرزات بلاستيكية صغيرة في أحد الساحات المربعة الواقعة بين بنائنا و البناء المجاور، و كان صوت انفجار القذائف، صفير الهاون، أزيز الرصاص، هدير الطائرات في السماء و ضجيج محركات الدبابات، تضفي إلى لعبنا موسيقا تصويرية حقيقة و واقعية على عكس كل الأصوات التي نسمعها في الافلام، كان يوماً عادياً لنا، نحن أطفال الحرب- نحن الذين نعيش في معركة تسمى سوريا ، لكنه غريباً لغيرنا أن يلعب اطفال في الشارع و الحرب تدور من حولهم ،نحن الأطفال الذين أصابتنا عدوى الحرب فأصبحنا نطبق القتل و الدمار حتى و إن كنا لا نعاني منه، و بينما كنا نتبادل إطلاق النار- إن صح التعبير - أصابتني إحدى الطلقات تحت عيني مباشرة و كادت لولا ألطاف ربنا أن تدخل في عيني عوض عن أسفلها و تصيبني بالعمى، اجتمع حولي اخوتي و أبناء حارتنا بعد أن توقفوا عن اللعب بعد إصابتي لكني صرخت فيهم كوني القائد بأن يكملوا اللعب، لأنني آبى أن استسلم و اظهر ضعفي و أنا القائد، تباً لك أيتها الحرب لقد نفذت إلى حياتنا ثم إلى عقولنا و الآن أراك قد نفذت إلى أرواحنا، أرجوك عجلي بخروجك...من روحنا و فكرنا ...و وطننا، كفاكِ احتلالاً لنا...أما كفاك

أصعد إلى المنزل حاملاً رشاشي و مودعاً رفاق السلاح، بعد هدنة أخذناها لكن حربنا الحقيقية تأبى أخذها، أتناول الطعام مع عائلتي و نجلس بعدها في غرفة الجلوس ليبدأ صوت الرصاص بالاقتراب، فاشعل التلفاز لنشاهد ما يحدث حولنا في الشارع، فلا أدري أأقول لحسن الحظ أم لسوءه أن مبنانا كان محاط بمجموعة من الكاميرات لحمايتنا من اللصوص، و لمنكن ندري أننا سنشاهد زيارة الموت لنا عبرها و ليس أي شيء آخر، كنت أجلس مع عائلتي و عيوننا مركزة على شاشة التلفاز عسانا نرى مشاهد قتال عادية كالتي اعتدنا على مشاهدتها،الحرب ان لم تقتلنا فهي قتلت نفوسنا فصرنا نشاهد الموت امامنا دون اي تاثر و اصبحت تسليتنا الوحيدة متابعة اخبار المقتولين و المعتقلين، لكن ما شاهدناه كان مجموعة من الجنود المسلحين-بأسلحة حقيقية للأسف- بدؤوا بضرب و رفس البوابة الحديدية بأقدامهم و إطلاق النار من بنادقهم في محاولة لفتح الباب، لحظتها بدأت بالنظر الى عيون أهلي لأعرف إن كانما نشاهده هو فعلاً ما يحدث في الأسفل أم أحد الأفلام التي تعرض على الفضائيات، لكن صوت زحاج النوافذ و هو يكسر ممتزجاً بصوت الرصاص جاء ليؤكد على ان الامر بدأ يتحول الى حقيقة، يبدوا أن هذه الحرب لم تنس نصيبنا من شرورها و سمومها أيضاً و ها هي قد أرسلت لنا أحد زبانيتها، شياطين متلبسين بجثث بشرية، حاقدة، ساخطة، كارهة، تعيش علىالاستمتاع بأفلام تعذيب الناس الحية و أكل لحومها و الشرب من دماء ضحاياها

بدأت أبكي و أقولها بكل فخر، نعم بكل فخر، فبكاء طفل لا يتجاوز به العمر العاشرة-حتى و إن أصبح قائداً في أحد ألعاب الأطفال- بعد مشاهدته كل هذا الرعب و الخوف ليس بمهين و لامذل، بل الذل كل الذل على من يشاهد و يعرف بوجود أطفال في سوريا و في كل مكان تشاهد و تعايش كل هذا الرعب و يبقى بلا أي حراك و لا أي مشاعر تخالجه، صرت لحظتها أتمنى لو أن الطلقة لم تخطئ عيني و أصبح أعمى كي لا أشاهد شيئاً كهذا

بدأ الجنود بالصراخ: افتحوا الأبواب، و الله لنقتلنكم..... و العديد من الشتائم و الكفر الذي لا يخطر إلى على بال الشياطين، بدأت أدعي و ابتهل الى الله تعالى و دمعي و نشيجي يخالط دعائي و بكاء اخوتي الصغار من حولي، أمي الى جانبي تتكلم مع جدتي و جدي و تودعهما و هي تنتحب لا أدري أكان ذلك خوفاً علينا أم على أنها ستفارق الحياة و أظن أن الخيار الأصح هو الاثنان معاً، في أي المشافي تم نزع قلوب هؤلاء الجنود؟ أتراها مشفى الحرب و القتل؟ربما

ازداد إطلاق النار على النوافذ لإرغامنا على فتح البوابة و خشي أبي أن يفتحها لهم أحد جيراننا لذا قام أبي منبطحاً على بطنه بالخروج من المنزل و قد تبعته أنا و قد أحضرت سكيناً من المطبخ لأدافع بها عن نفسي في وجه أولئك الوحوش القاتلة إلى الدرج لمنع أي أحد من النزول و فتح البوابة. كنت أتخيل نفسي بأنه و بمجرد دخول أحد العساكر الى منزلنا سأختبئ وراء احد الجدرنا و أطعنه بسكينتي، يبدو أن الحرب ستحولني أنا أيضاً من مجرد طفل إلى قاتل حتى ولو بالخيال و التخيّل، أسمع صوتاً يهمس من تحت قدميّ: انهم ينسحبون، فارتعد و انظر الى مصدر الصوت فأراه اخي الصغير، أعود مسرعاً تاركاً ابي وحيداً منبطحاً خارج المنزل إلى غرفة الجلوس واذا بي أرى الشارع على التلفاز خالياً من اي جنود، فأنظر الى عيني امي لاستفهم الموضوع فتقول لي : يبدوا ان ابليسهم الاكبر قد احتاجهم في الثكنة-في جحيمهم -فعادوا تلبية لنداءه ...

حاولت أن أتخيل فعلهم لو استطاعوا فتح البوابة لكني لم أستطع، لأن هذا يفوق قدرة البشر على التخيل، انه يحتاج إلى خيال سفاح بربري همجي

بعد حوالي الساعتين نزلنا الى الشارع لتفقد سياراتنا فوجدناها سليمة، كيف حدث ذلك لا أحد يدري، كيف يمكن لأحدهم أن يسلم من شرورهم؟

رحت أجمع فوارغ الطلقات لأحتفظ بها كذكرى و دليل على زيارة الموت لنا، بالإضافة الى احتفاظي بتشوهات في قلبي و ندوب خلفتها هذه الزيارة لا تمحا و لا تعالج بأي عملية تجميل،رحت أتأمل الفوارغ و قلت:اين طلقتك، ايتها الفارغة، أتراها تكمن في داخلنا دون أن ندري...نعم انها في داخلنا و ستبقى في داخلنا دون ان يستطيع الجسم تحليلها

تحمدت الله بعد خروجنا من هذه الأزمة و علمتني الحرب درساً جديداً بأن الموت أحياناً أفضل من العيش في الموت نفسه، من تكونيني ايتها الحرب من انت ارجوك قولي لي..

ايتها الحرب ان كنت ترسلين شياطينك لتخيفي الناس، فاعلمي أن الله يرسل ملائكته ليأمنهم...

لا زلت بعد اكثر من ستة اعوام على تلك الشناعة لا اصدق بأننا نجونا،لا أصدق بأن هذا قابل للحدوث في أي بقاع الأرض، لكنها حقيقة ولو أنكرناها إنها تحدث في سوريا الارض التي تجتمع فيها الملائكة و الشياطين سوياً

وقع :في سوريا/حمص/حيث وفاة شخص يمثل معاناة و وفاة المئات يمثل إحصائية

في:

أحد أعوام الحرب التي لم تنته بعد

بقلم: ذاك الذي لم يكن ليبقى حياً لولا فضل ربه و صمود ذلك الباب - حازم عمر زين العابدين-