بحثت كثيراً عن إجابة لهذا السؤال و وجدت أنه لا يتعدى ثلاث إجابات، إما إنسان لم يجد نفسه حتى يرضى عنها و مازال يبحث عنها في كل مكان و إما إنسان راضٍ عن نفسه فهو يظن نفسه يحيا حياة سعيدة برضاه ذاك و أراه أخطأ برضاه التام ذاك إذ عليه أن لا يرضى بما هو عليه و يحاول قدر المستطاع التطوير من نفسه و أما الإنسان الأخير فهو إنسان ليس راضٍ عن نفسه و ليس في هذا أي اعتراض على القضاء و القدر بل هو إيمان تام لا يخامره كفر. لكن ماذا عني و عنك أي الأشخاص نحن؟


أنا بطبيعتي شخص صعب الإرضاء، لذا نفسي تعمل الكثير و مازالت تعمل حتى ترضيني، لأنني مؤمن بأن أسرع سبيل للهلاك هو الرضا عن النفس. في كل يوم أنا نسخة جديدة و إصدار جديد، في كل لحظة أنا "حازم" مختلف عن سابقه.


و إني بنفس الوقت إنسان قد رضي كل الرضا عن ما حققه و سيحققه، بل و رضي عن الخطط التي سيمشي عليها لتحقيق أحلامه بصحبة نفسه.


و نذكر مقولة لعمر بن عبد العزيز :"إن لي نفساً تواقة و ما حققت شيئاً إلا تاقت نفسي لما هو أعلى منه تاقت نفسي للزواج، فتزوجت، ثم إلى الإمارة فتوليتها ثم تاقت إلى الخلافة فنلتها و الآن تاقت نفسي إلى الجنة و أرجو أن أكون من أهلها". كانت نفسه رحمه الله طمّاحة ترتقي درجات الطموح و الأمل الواحدة تلو الأخرى.


و إنني لأخاطب نفسي قائلاً:

قليل ما أَتيتِ به و إني لأطمع منك بالشيء الكثير

إذهبي لا رضيت عنك فاسعي في سبيل إرضائي، ألا و إني قد أمددتك بالوسائل و العلوم و أعلم أنك نفس لا تقلي عن صاحبك طموحاً و نظراً لمعالي الأمور. اذهبي فإني قد رضيت عنك و قنعت بكل ما حققتيه حتى الآن و لكن هذا لا يعني أن تستكين همتك و تخمد نار حماسك، ألا و إنه لأمامنا طريق لا متناهٍ من الأحلام التي ستبقى كذلك إذا لم نسعى لتحقيقها.


ألا يا نفسي عليك أن توازني بين الرضا و عدمه فلا عديم الرضا يقنع بما يحقق و يقضي على نفسه تعباً و مشقة، و أما الراضي بكل شيء و بسيطه فإنه يقضي على نفسه راحة و دلالاً.

ألا يا نفسي إن غاية سعينا إنما هو رضا ربنا و رد جزء قليل من الجميل لأهلنا، ألا يا نفسي إن ربنا قال((و لسوف يعطيك ربك فترضى)) فإننا قد رضينا كل الرضا و قنعنا كل القناعة. و أن الشاعر قال:

ولم أرَ في عيوب الناس عيباً.

كنقص القادرين على الكمال

فسأسعى و إياك على سد النقص حتى نصبح قوماً لا توسط عندنا لنا الصدر دون العالمين أو القبر


 فترد عليّ نفسي قائلةً:

إنني مُذ دخلت أحلامك و طموحاتك كانت لا تتجاوز النقطة ألا و إني أراها الآن بداية اللانهاية، حتى أنني أكاد أضيع في أرجائها و إنني إن شاء الله سأسعى حتى نرضا في النهاية عن سعينا، و لن نسعى سوى إلى كل ما هو عالٍ، و شعارنا في سعينا:

إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم