الجَدات لا يموتن في قلوب أحفادهن .. عايشت جدتى عشرين عاماً من عمري .. أعوام ليست بالقليلة .. برغم اختلافنا كلياً فهي من جيل يبعد كل البعد عنى لكنى كنت أُحب أن أستمع إلى قصصها التى تحكيها كل يوم لي قبل النوم حتى عندما أصبحت شابة تبلغ من العمر عقدين

–ربما هذا سر كان لا يجب عليَّ الإفصاح به–

حكت لى جدتى الكثير ووصفت لى كيف كان شكل المليم والصاغ وأنها كانت تستطيع شراء السوق كله بعشرة قروش فقط وأن زمننا هذا انعدمت فيه البركة

أخبرتنى عن حبها للمدرسة  .. فكانت جدتي تقرأ وتكتب اسمها جيداً

صرحت ذات مرة عن شغفها في تعليم القراءة لكى تستطيع قراءة المصحف وتحمست لتعليمها القراءة والكتابة لكننى انقطعت عن تعليمها فجأة ليس لقلة استيعابها .. أعتقد أننى لست معلمة جيدة لكن  لا بأس فقد تعلمت الحروف وكتابة بعض الكلمات

أخبرتنى عن اليوم الذي قرر فيه والدها أن يمنعها من الذهاب إلى المدرسة وكانت تخبرنى فى خيبة أمل ممزوجة بالسخرية " لو أبويا سابنى أكمل تعليم كان زماني دكتورة دلوقت"

أخبرتنى عن قصة زواجها من جدى الذى لم أرَه .. كان عظيماً فى عينيها ورأيت جدى بعينيها

تعلمت منها الكتير وأعظم ما تعلمته منها أنه قبل خلودى للنوم أتلو الفاتحة علي روح جدى وعمى وأرواح المسلمين جميعاً والآن أقرأ لها الفاتحة كل يوم عند نومى وأقول في نفسي ربما سخرنى الله لقراءتها لها كما سخرها هي لقراءة الفاتحة لهم

 الله عادل .. الله رحيم

وأخبرتنى أيضاً عن اليوم الذى هربت فيه من ضرب أخيها الكبير لها لأنها تأخرت خارج البيت إلى وقت المغرب وهذا شىء لو تعلمون عظيم كانت تتعجب من بنات اليومين دول "ازاي في بنات تفضل بره البيت لحد المغرب " ومن هنا أورثتنى الخوف من الشارع بعد المغرب ولأن شوارع قريتنا مخيفة بالفعل في وضح النهار فزداد خوفى منها ليلاً

وربما لو علمت جدتى أن الظروف جعلتنى فى شوارع إحدى المدن لوقت متأخر من الليل لكانت أقامت الدنيا ولم تُقعدتها

عايشت جدتى الحرب والسلم .. الحب والكراهية .. الفرح والحزن .. ونقلت لى تلك المشاعر فى قصصها كانت رحمة الله عليها تمتلك ملكة الحكي فتنقل لي صورة واضحة صريحة كأنني أشاهد فيلماً سنيمائياً

شاركتها فى غرفتها ونقلت سريرى جوار سريرها ولم اكتفِ بذلك بل شاركتها سريرها كل شتاء ..

فسرير جدتي كان دافيء دائماً في الشتاء ويديها وقدميها دافئتين

وأنا على حسب قول أمى أنى أمتلك دماً بارداً أو لا أمتلك دماً مطلقاً فأطرافي دائماً باردة

سرير جدتى كان ملاذى في الشتاء وقصصها كانت سلواى في لياليه القاسية

أتذكر يوم وفاة جدتى , كانت تبلغ من العمر ثلاثة وثمانين عامآ ومرضت مرضاً شديداً قبل وفاتها ببضع أسابيع

كنا نطلب من الله أن يرحمها ويخفف عنها ألآمها

لم أتخيل أننى سأحزن عليها كل هذا الحزن كان في اعتقادى أنها أخذت من الدنيا كل شيء وعاشت عمراً مديداً ..

لكن عندما حملوا جُثمانها في الصندوق الخشبي وخرجوا به من باب البيت وأدركت أنها لن تعود ثانية تلك كانت اللحظه الفارقة .. لحظه اكتشاف الحقيقة

اكتشاف حقيقة أن حُزننا على موتانا يكمن فى فراقهم , في رحيلهم عن أحداث يومنا .

فبكيت في حضرة موتها وتذكرت أنها أخبرتنى ذات مرة في قصصها عن رهبة الموت التى عشتُها في تلك اللحظة