في ليالي ديسمبر الباردة ، وبين أحضان الثلوج الناصعة، يستقر بيتي الخشبي البارد ، مرتديا ثوبا من العفن الأسود ، وأعيش أنا الخمسيني بين جدرانه المتآكلة ..كان يوما كباقي أيام ديسمبر المعتادة ،أستيقظ من أحلامي المتجمدة وأعد كوبا من القهوة وأشعل مدفأتي بما تبقى من الحطب ، وتشتد النار بكل ما أوتيت من قوة محاولةً مواساتي بدفئها وسط هذه الظروف المتأزمة .

جلست على الكرسي المتأرجح الذي غدا صريره يرعبني في الآونة الأخيرة لكنني لم أعد أمتلك سواه في هذا المكعب الذي أقطن فيه .. تتهامس الرياح عند النافذة تارة وتضربها تارة أخرى ، لم أعد ألتفت لتلك التفاصيل المتكررة وعدت لإكمال فنجاني وجعلتْ أذهاني تشرد وتركض فيها أحلامي المتلخصة ببيت جديد في المدينة، كنت مستمتعا في التخيل حتى قاطعني صوت في الخارج كأنه استنجاد ، هممت بالخروج ولكن أقدامي استصعبت الابتعاد عن الدفئ الذي يخفف آلام مفاصلها ، استنجد ذلك الصوت مجددا ! لا أدري كيف وجدت نفسي أبحث بين طبقات الثلج عن مصدر ذلك النحيب المتألم ، وإذ به كلب حراسة تخدرت أطرافه لشدة ما أصابها من عصف الثلوج وبرد الرياح ، لففته بمعطفي الممزق وذهبت به إلى منزلي حيث الحطب في المدفأة يجاهد ليحتفظ باشتعالته ، كان عاجزا ضعيفا التصق جلده لقلة ما تناوله في الأيام السابقة ، بل إنني أكاد أجزم بأن معدته لم تصلها لُقيمة ثريد ، استغرق الأمر ثلاثة أيام حتى تعود القدرة لأقدامه على التحرك والتنقل ، وفي يومه الرابع خرج من منزلي وعاد إلى حياته حيث كانت .

لم يمض سوى يومين حتى سمعت نباحه مجددا ، فتحت بابي على مصراعيه وإذ به قادم إلي بصحبة أحد أثرياء المدينة المتداولين على الألسنة ، إنني أعيش الان في بيت في المدينة، بيت كالذي كنت أستكثر أن أحلم به ، كان ذلك الكلب ملكا لذلك الثري ، وقد قبلت مكافأة منه على مضض لإنقاذي أحد أفراد عائلته كما روى لي ، كم هو جميل ألا تستصغر خيرا لا تعجز عنه أناملك.