في ليلةٍ باردة جداً جلستُ بين يديه ثم قلتُ له أخبرني إن كُنتَ تُريدني.. لن أبرحَ حتى أستشعر جوابك وأؤمن به أو يمكنني الموت هاهُنا..
ثم شرعتُ في البكاء كطفلٍ صغير لا يدري ما الكلام")
ثم بصوتِ الشباب القويّ والمتغطرس قلتُ له.. إن كُنت تنادي بالرحمة وتأمرني بها لماذا تعذب قلبي وتفكيري وترهقهما؟
لماذا ليس الإيمان بأن يختار المرءُ ثم يؤمن فتتلاشى كل الخيارات الأُخرى.. أليسَ هذا هو العدل! ألستَ بِعادلٍ ورحيم!
لماذا تحرمني الأُنس والدفء وتنتزعهم مني انتزاعا ثم تمنحهُم للجاهل الذي لا يفقه سوى عبادتك على نحوٍ مريض ومُخزٍ! أنا الأحقّ.. أنا الذي أبحثُ عن أفضل طريقٍ أصل بها إليك.
لم أعد أريدُ البحث ولا الحياة فلماذا تُعاقب من يريد العبور من البوابة قبل معاد مغادرته؟ وتحكم عليه بالهلاك.. وهو ربما عاش عمره كُله يُحبك ومات لأنه يُحبك!
لا أفهم ولا أقتنع لكنني أُحبك وهذا هو الشعور الصادق الذي لا أستطيع إنكارهُ أبدا
شعرتُ بشيء دافئ يسري في دمي ويتسلل إلى قلبي.. ربما أراد أن يواسيني أو.. كأبٍ يخشى على ولَده من الألم لكنه يريده مواصلة المسير حتى يكونَ حُر نفسِه.. حتى لو كان قرار الولد أن يهجُر أباهُ زاعما أن هناك أبٌ آخر أفضل منه أو.. لا وجود للأبِ أصلا!
هل الدنيا دار شقاء بحت أو نعيم وشقاء.. وإن كان؛ لم لا نشعر إلا بالشقاء بينما تمر السعادة مرور الكرام؟
لماذا لا تمنح الفقير وسادة ينام عليها في الشارع وأنتَ تراهُ يتألم؟!
لماذا تمنعني ما أريد.. وتعطيني ما لا أُريده ولا أُطيقه وتمنع عني حيلةَ أن أتركه! لماذا لا تخبرني ما الذي أريده!
أجِبْ إن كنت تسمعُ وترى.. أريد الآن جواباً لكل ذلك..
صمتُّ لحظات خيّمَ فيها الغضبُ على قلبي والألمَ يشق طريقهُ إلى كل أطرافي..
تفكرتُ من أين أتى ذلك الألم وكيف ينشأ من البداية وكيف نشعر به.. وددتُ أن أسألَه لكنني غاضبة فلم أفعل.
تذكرتُ في يومٍ شديد الحرارة اضطررتُ فيه لركوب قطار السابعة المزدحم وتمنيتُ في نفسي ثم قلت له أريدُ مقعداً فارغاً تعلم أني مُتعبة ثم سخرتُ من نفسي وتعالت الضحكات في داخلي، هل أنتِ غبية.. هناك منطق وأسباب لكي يكون هناك مقعدٌ فارغ وكلها منعدمة فمن أين يأتي!..
دخلت إلى القطار وكان مزدحما ثم بدا صوتٌ في داخلي يقول هل رأيتي؟ هناك منطق وأسباب.. وقبل أن يخرس الصوت وجدت سيدة في منتصف العمر تقول بالحرف الواحد"كنت حاجزاه علشانك اتأخرتي ليه" قلت لها"حضرتك تعرفيني؟" ابتسمَت ولم تجب شكرتها ثم جلست وانهمرتُ في البكاء؛ قلتُ له شُكرا لأنك معي دائماً")!
في أيامٍ أُخرى كنتُ أطلب منه شيئاً ثم أغفوا وأستيقظ على الشيء رغم استحالة كل الأسباب!
بدأ قلبي في التحلل من غضَبه شيئاً فشيئا ثم تبدلت لهجةُ الغضب والعتاب إلى حُب ومناجاة..
حبيبي.. يا من خلقتَ كل ذرةٍ في تكويني وأسبغتَ على روحي ذلك الجمال الذي أتباهى به.. يا من تراني وترى سكوني واضطرابي وقلقي واطمئناني.. تراني في موضع عبادةٍ فترضى عني وأشعر برضاك كحضنٍ لا مثيل له؛ وتراني في موضع نشوزٍ وعصيان فتصبرُ وتُرسل لي إشارات أن الطريق خاطئة هذه المرة وأن عليّ ظبط اتجاهاتي أكثر من ذلك ولا تعاقبني!.. لستَ كالمُدير الذي إن أخطأت في حقهِ وقصرتُ في عملي صبّ عليَّ سخطهُ وغضبه؛ ولا كالمارة في الشوارع الذين إن اصطدمتُ بهم عن غير قصدٍ نظروا بازدراء أو كتموا الغيظ ومضُوا دون أي كلمة!.. ولا كالصديق الذي يسامح مرة ويعاتب أُخرى! ولا كالحبيب الذي يسامح لأقصى حد لكنه في لحظة غضب يعدد لي كم مرة سامح وعفا.. سُبحانك!
أُخطئ فأُكابر ولا أعتذر وأرى ذلك من حقي فلا تمنع عني فضلك أبدآ متى احتجتُ حتى إن لم أقل!.. أعتذرُ وأتوبُ إليك فتبدّل كل ذنوبي إلى حسنات؟!.. هل أستحق؟ حتماً لا لكنه كرمك ولطفك الذي يحاوطني دائما..
حبيبي الذي وعيتُ بعقلي وقلبي على أُناسٍ يكرهونه بلا سبب، ووددتُ لو أقف أمامهم ثم أكشفُ عن ندوبي التي قمتَ بشفائها ومسحتَ عليها بيدك الحنونة.. أو أكشفُ لهم عن قلبي الذي داويتَهُ بعد كل ظالمٍ مسّهُ بسوء ثم قلتَ لي لا بأس أنا معكِ دائماً")
مُخطئةٌ أنا حين أعتبُ على أمور لا أفهمها لكنك تعلمُ صنعتَك! .. هكذا خلقتَني وهكذا تُحبني وأُحبك.
لا تتخلى عني لعدوّي الذي يترآئى لي في صورة مُحب.. لشهواتي التي تتقلد زِيّ الحرية والحقوق وتلك المسميات.. لعقلي حين يشتُّ وتنحرف بوصلته عن الغاية والهدف.. وأبقِني دائما في حمايتك وكنفك وتحت رعايتك وعلى عَيْنك.. آمين.