تروى القصة عن راهب من بنى إسرائيل ، وهى قصة من الإسرائليات التى بها عبر وعظات ، كان هذا الراهب يدعى برصيصا وكان أعبد أهل زمانه ، فقد كان يعكف فى صومعته يصلى و يصوم ويتعبد لله تعالى ، وروى انه كان يستغرق فى صلاته لعدة أيام ثم يرتاح يوماً ويكمل صلاته لعدة أيام أخرى وهكذا ، وكان يصوم أياماً عن الطعام قيل أنها قد تصل لأربعين يوماً لا يدخل جوفه إلا الماء ثم يفطر يوماً ويأكل الطعام ثم يعود للصيام أربعين أخر ، ظل على هذه الحال من الزهد والتعبد ستين عام وقيل سبعين عام ، حتى أن الشيطان قد أعيته محاولاته الفاشلة لإغواء برصيصا العابد الزاهد .

جمع إبليس مردة الشياطين ، ألا يوجد منكم من يُكفينى أمر هذا الراهب ؟؟ أجاب شيطان يدعى الأبيض أنا أكفيكه ، إنطلق الأبيض وتجسد فى هيئة راهب ، ودخل على برصيصا صومعته ، فوجده يصلى ، ناداه الأبيض فلم يُجبه ، فقد كان الراهب برصيصا شديد الخشوع فى صلاته لا ينفتل منها إلا بعد إتمامها ، مكث الشيطان الأبيض جالساً خلف الراهب حتى فرغ من صلاته ثم التفت فوجد الابيض فى هيئة حسنة فى زى الرهبان ، فسأله الراهب برصيصا ماذا تريد ؟؟ أجاب الأبيض فى تأدب ووقار أريد ان أكون معك ، فأتعلم منك أمور الدين والعبادة .

استدار برصيصا ليكمل صلاته وقال له إنى فى شغل عنك ، وشرع ليصلى وأقبل الأبيض أيضاً يتظاهر بالصلاة  معه ، واصل برصيصا الصلاة لعدة أيام كعادته فلما فرغ من صلاته وجد الأبيض مازال ماكثاً يصلى خلفه ، أو هكذا كان يبدو .

استعجب برصيصا من إجتهاده وشدة مثابرته فى العباده وسأله ما الذى أبقاك ؟؟ أجأبه الأبيض لقد أخبرتك فى السابق أنى أود أن أنهل من علمك وأجتمع معك على الزهد والعبادة ، فهل تأذن لى فى الإقامة معك ، سمح له الراهب بذلك وظل معه عاماً صائماً لا يفطر إلا كل اربعين يوماً ، ويتظاهر بالصلاة مع الراهب لعدة أيام متتالية .

فلما رأى الراهب مدى إجتهاده قربه منه منزلةٍ وصارا يتبادلا النقاش فى أمور العبادة ، حتى قال له الأبيض لابد وأن تنفع الناس بعلمك فأنت الراهب العابد الناسك ، سأله برصيصا وكيف أفعل ذلك ؟؟

رد الأبيض قائلاً إنى أُعلمك دعاء إذا تلوته على مريض شفى من سقمه ، ثم إنطلق الأبيض ليكمل بقية خطته ، فعمد إلى رجل فصرعه ، وحار أهله فى أمره ، فتمثل الأبيض فى هيئة أدمى ، وقال لهم هل أدلكم على من يشفيه ؟؟ إذهبوا به إلى الراهب برصيصا فإنه يعلم اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب وإذا سأل به أعطى .

فجاءوا بالرجل المصروع فقرأ عليه برصيصا الدعاء فذهب عنه شيطانه وبرئ من مرضه ، وذاع صيت الراهب الناسك برصيصا .

حشد الملك جيشه للخروج لصد هجمات البلدان المجاورة و أمر كل أعوانه وقادته أن يخرجوا معه ، كان من بين هؤلاء القادة ثلاثة إخوة وكانت لهم أخت ،كان هؤلاء الإخوة يحملون هم تلك الفتاة وكيف أنهم سيخرجوا للجهاد ويتركوها وحيدة ، همس الشيطان الأبيض فى أذن أحدهم وهل هناك أجدر بالثقة من الراهب برصيصا ؟؟ هذا الزاهد الناسك العاكف على عبادة الله .

تفكروا فى الأمر ووجدوا أنه عين الصواب ، وذهبوا ليقصوا الأمر على برصيصا ، الذى رفض الأمر ورفض النقاش فيه معقباً كيف أقيم مع فتاة فى سن الزواج فى مكان واحد هذا لايصح مطلقاً ، تفكر الأخوة ثم قال أحدهم نبنى لها صومعة أخرى بجانب صومعتك ، تمكث فيها وحدها ، وافق الراهب على هذا الحل ، وانصرف الأخوة للجهاد مطمئنين على أختهم .

فاليوم الاول ذهب الراهب ليعطى لها الطعام ، وضعه على باب الصومعة وطرق الباب ثم أنصرف مهرولاً حتى لا يقع نظره عليه ، ثم جاءه الأبيض وكان قد غاب عنه مدة وحكى الراهب له أمر الفتاة ، اندهش الأبيض قائلاً وكيف تطمئن أنها أخذت الطعام قد يأكله الذئب و يأكلها هى نفسها وهى تأخذ الطعام لابد أن تتمهل حتى تفتح الباب وتأخذ منك الطعام ، إقتنع الراهب بكلام الأبيض .

ظل الراهب يفعل ذلك لعدة أيام ، حتى وقع نظره على الفتاة ورأى جمالها وتعجب من حسنها ، عاد الأبيض ليخبره أنه لابد أن يجالسها بضعة دقائق ويحدثها حتى تستأنس به فهى تعيش وحيدة ، وهى امانة استودعها أخوتها عنده ، اقتنع الراهب مرة ثانية بكلام الأبيض .

صارت البضعة دقائق ساعات ، وانشغل الراهب عن صلاته ، فكر فى الرجوع عما يفعله ويعكف على صلاته مرة أخرى ، فأسرع الأبيض فعمد إلى الفتاة فصرعها حتى أصبحت تتألم ثم ذهب إلى الراهب جالساً فى هدوء يسأله عن حاله ، ظل الراهب يحاوره فى أمر الفتاة والأبيض يتظاهرأنه لا يتذكر ، ثم ادعى التذكر وقال له لعلها هى التى تصيح من الألم ، فقد سمعت وأنا أتى إليك صوت أنين وتوجع ، ذعر الراهب وقال ماذا أفعل ؟؟ قال الأبيض اذهب إليها لكى تطمئن عليها وتعطى لها بعض الدواء ، وأقرأ عليها الدعاء الشافى ، فقد تموت من المرض فماذا ستقول إذا لإخوانها عند عودتهم ؟!

أسرع الراهب وأعطاها الدواء ، فذهب عنها الشيطان وبرئت ، وظل الراهب يمكث فى صومعتها كل يوم أوقات طويلة يجالسها ويمازحها ، وحين يخرج لصومعته يهمس إليه الشيطان بجالمها وحسنها وعذوبة كلامها ،  حتى أصبح الراهب يفكر فيها ليل نهار ، وفى جلسة سمر وضحك معها همس الشيطان فى أذنه وحرك بداخله شهوته فزنا بها .

وعاشا سوياً أياماً طويلة على هذا الحال ، حتى أثمرت تلك الفاحشة عن مولود ، جاءه الأبيض قائلاً ان الناس قد يظنون أن هذا الطفل أبنك من الفتاة ، وأنت الراهب الناسك الطاهر ، لابد وأن تتخلص من هذه الورطة سريعاً ، وفى الحال انتهز فرصة إنشغال أم الطفل ، بإحضار بعض الأغطية من صومعتها لتحمى رضيعها من البرد ، فقتله ودفنه فى حفرة بجانب صومعته .

عندما رجعت الأم لم تجد طفلها صرخت أين ولدى ؟؟ أقتلته ؟! خاف الراهب من صوتها العالى ، وإفتضاح أمره بين الناس فحبسها فى صومعتها ، فإذا به يجد الأبيض فى وجهه قائلاً وهل تظن أنك قد خرجت من الورطة هكذا ؟ فهى قد تستمر فى البكاء والنواح على ابنها وقد يسمع ذلك أحد المارة ؟؟ قال الراهب وما العمل ؟؟ قال الأبيض هى لن تصمت ما دامت على قيد الحياة .

لم يتردد الراهب فى أن يذهب إلى صومعة الفتاة فيخرج سكيناً فتقول له أتقتلنى كما قتلت ابنى ؟! اقتلنى فقد ضيعنتى ولما أعيش بعد هذا ، اللهم اغفر لى سفهى وجهلى ، فقتلها ثم دفنها بجانب ابنها فى نفس الحفرة ، عاد الأخوة يسألون الراهب أين أختنا ؟؟ أخبرهم الراهب أنها مرضت مرضاً شديداً وماتت قبل أن نتمكن من مداوتها .

سأله أحدهم وأين قبرها ، تحجج قائلاً ان زيارة القبور أمرٌ غير مستحبٍ فى الدين ، انصاع الأخوة لرأيه فهو الراهب العالم بالدين وانصرفوا .

ولم يتوقف عمل الشيطان وطموحه عند هذا الحد بل واصل فى إجتهاده ، ظهر الأبيض فى منام الأخوة الثلاثة كأنه رجل مسافر يحكى لهم ما حدث لإختهم وما الذى فعلها الراهب بها ، وأشار عليهم بالدليل فى تلك الحفرة بجانب الصومعة ، استيقظ الأخوة متعجبين فقد رأوا الحلم نفسه فى آنٍ واحد ، وقاموا بالحفر فى المكان المشار إليه فى الحلم فوجدوا جثة أختهم وجثة طفلٍ رضيع .

أسرعوا إلى الراهب و قد انهالوا عليه بالضرب  والخنق والسب ثم ربطوه بجذع نخلة وذهبوا لإخبار الملك والقاضى ليقتص منه ويفتضح أمره بين الناس ويعرفوا حقيقته .

جاءه الأبيض متعجباً من الذى فعل بك هذا ؟؟ ولما صرت إلى هذا الحال ؟؟ قال الراهب إنها مشورتك وكلامك الذى نصحتنى به ، قال الأبيض ضاحكاً أنا لا لا ، أنا لم أمرك بالزنا ولم أمرك بالقتل مرة تلو الأخرى فضلاً عن الكذب على هؤلاء الأخوة ، ثم سأله ألست تعرفنى حتى الأن يا برصيصا ؟؟ ثم تجسد على هيئته الشيطانية ، صرخ برصيصا أنت الشيطان ، أنت إبليس .

أصوات الناس تقترب فقد جاءوا افعل شيئاً من أجلى ، يتوسل برصيصا لإبليس ، قال له إبليس ولما تطلب منى وقد عرفتنى ؟! قال الراهب ليس أمامى غيرك افعل شيئاً .

قال إبليس ليس أمامك إلا خيار واحد ، أن تسجد لى سجدة واحدة وأنجيك بعدها ، لم يتردد برصيصا ووافق ، ففك إبليس قيوده ، فسجد برصيصا لإبليس  ، فقال إبليس الأن وقد كفرت بربك إنى برئ منك إنى أخاف الله رب العالمين وانصرف  .

جاء القوم وهدموا صومعته وحملوه إلى الملك ، فأقر على نفسه فأمر بقتله .

"كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ()فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ " سورة الحشر 

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " سورة النور  الأية 21

اقرأ 

البنسلين

الوضوء ... بين العبادة وعلم الطاقة الحيوية