فى الجزء الأول من المقال ،اسرار الشفاء في القرآن ،تم مناقشة قوة الشفاء في القرآن بين النظرة العلمية و الإيمان ، لإعطاء تفسير لقوة الشفاء في القرآن. ونستكمل الحديث فى محاولة للرد على تساؤلكيف تُعالج الأمراض بالاستماع إلى القرآن؟

كل المخلوقات تسبح الله تعالى

هكذا تخبرنا الأية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم

" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" الاسراء 44

لفهم العلاقة بين قوى الشفاء للقرآن والإنسان ، نحتاج إلى معرفة معنى التسبيح للخالق ، وما هي الطريقة التي يمكننا القيام بها؟ وما هي فوائده؟

معنى التسبيح 

فتَسبيحُ اللَّه أصلٌ عظيمٌ من أصولِ التَّوحيد، ورُكنٌ أساسيٌّ من أركان الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وإثبات الأسماء الحُسنَى والصِّفات العُلى له عزوجل ، وذكر عظيمٌ لِله لا يصلُح لغيره ،والتَّسبيح تبرئة اللهِ وتَنْزِيهه عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي أَنْ يُوصَفَ به .
تم ذكر كلمة "سبح" في القرآن الكريم في سبع وأربعين سورة تشمل جميع مشتقاتها وصيغها.

تدل  الآية على أن جميع المخلوقات تسبح الله ، الإنسان والحيوان والأشجار والنجوم وكل شيء. لكننا لا نستطيع فهمها لأنها تختلف عن لغتنا.

هناك أمثلة كثيرة في القرآن والسنة تثبت أن جميع المخلوقات وكل شيء في هذا العالم في حالة مستمرة من التسبيح والتعظيم لله . كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود قال:. وقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل .

إلى حديث تسبيح الحصى عن أبي ذر إني لشاهد عند النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة وفي يده حصى فسبحن في يده، وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فسمع تسبيحهن من في الحلقة ، وعن عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل الضفدع فقال: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح. وقال بعض السلف: صرير الباب وخرير الماء هو نوع من التسبيح لله عزوجل.

قصة أخرى ، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقي خطبة الجمعة على جذع نخلة كمنصة ، وبعد أن أُعطيت له منصة جديدة ، اشتكى جذع النخلة وبكى لفراق النبى صلى الله عليه وسلم.

كل شيء في هذا الكون يسبح الله على طريقته ولغته الخاصة ، لا تجعل نفسك حبيسة الطبيعة الطينية بدلاً من الوصول إلى السمو الروحي ، التسبيح يرتقى بالنفس ويعلمها الرضا ...والرضا من متع الدنيا والأخرة ، والتسبيح يورث اليقين بالله الخالق العظيم ، التسبيح ينقى القلب ويطهره ، التسبيح يجعلك تسبح وتتأمل فى إعجاز الله فى خلقه .

تسبيح الله في القرآن

 بعض الآيات القرآنية التي ذكرت تسبيح الله وأهميته

يقول تعالى في القران الكريم بسم الله الرحمن الرحيم "أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ " الطور43

"قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ "يوسف 108

"فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"النمل 8

"وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ "48،49

طاقة التسبيح والخشوع

يمكننا أن نرى في بعض آيات القرآن أنه بنفس طريقة الشعور بالخوف من الله والخشوع قال تعالى : {لَو أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)الحشر

عظم سبحانه حال القرآن فقال لو ان الجبل مما ينزل عليه القرآن ويشعر به مع غلظه وجفاء طبعه وكبر جسمه لخشع وتصدع من خشية الله تعظيما لشأنه فالإنسان أحق بهذا لو عقل الأحكام التي فيه ،وقيل معناه لوكان الكلام ببلاغته يصدع الجبل لكان هذا القرآن يصدعه ، 

العلاقة بين الخشوع وموجات الدماغ

وجد العلماء أن الدماغ البشري يصدر باستمرار موجات ترددات كهرومغناطيسية ، لكن تردد هذه الموجات يتغير حسب النشاط البشري. في حالة التنبيه ، تصدر الأنشطة الدؤوبة والتركيز ترددات تسمى "بيتا" تتراوح من 15 إلى 40 اهتزازًا في الثانية (هرتز) ، وفي حالة الاسترخاء والتأمل البسيط تسمى موجات الدماغ "ألفا" في مدى تردد من 9 إلى 14 ذبذبة في الثانية ، بينما في حالة النوم ، فإن الأحلام والتأمل العميق تعمل بالتالي على موجات الدماغ "ثيتا" وهي من 5-8 هرتز ، وأخيراً في حالات النوم العميق بلا أحلام ، فإن موجات الدماغ تسمى "دلتا" وتقدر قيمتها بأقل من 4 هرتز.

يمكننا أن نستنتج أن الإنسان كلما كان في حالة خشوع وتأمل وتدبر ، فإن هذه الموجات تصبح أقل اهتزازًا ، وهذا يريح الدماغ ويقوي ويساعد على إصلاح أي اعراض غير مرغوب فيها لمرض أو اضطراب نفسي.لذلك يعتقد العديد من الباحثين أن التوتر يجهد المخ وبالتالي يقصر العمر ، وعلى العكس من ذلك ، فإن أهم موجات الدماغ المنبعثة هي تلك الموجات ذات التردد المنخفض ، وهى طريقة علاجية وقوة شفائية لأي جزء من الجسم لما له من تأثير على خلايا الجسم وجهاز المناعة .

وبالتالي فإن التأمل وبتعبير اخر "الخشوع" هي وسيلة فعالة لتوليد هذه الموجات ، والتي لها تأثير إيجابي على خلايا الدماغ وإعادة برمجتها وتصحيحها.

كيف نمارس الخشوع في حياتنا اليومية؟

يقول تعالى: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ " الحديد 16

القران  هو الطريقة المُثلى لممارسة الخشوع ، وهنا يجب تصحيح مفهوم الخشوع في الصلاة أو في قراءة القرآن فقط ، إلى حقيقة أن الخشوع هو المنهج الذي لابد ان يطبقه المؤمن في كل لحظة من حياته ، مثل جميع الأنبياء ، إذا نظرنا إلى سيرة الأنبياء علمنا بأن حياتهم كانت مليئة بالتأمل والتدبر والخشوع وهذا ما ساعدهم على الاحتمال والصبر على الأذى والسخرية.

وهذا الخشوع والورع هو سبب استجابة الله دعاء الأنبياء ، ورضاه عنهم ، فلا بد من الاقتداء بهم في حياتنا.

قال تعالى "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ "الأنبياء 90

تثبت الدراسات ان التأمل يعالج الاكتئاب والقلق والإحباط، وهي أمراض العصر التي تنتشر بكثافة .ليس هذا فحسب بل وجدوا أن التأمل المنتظم يعطي للإنسان ثقة أكثر بالنفس ويجعله أكثر صبراً وتحملاً لمشاكل وهموم الحياة. يقول تبارك وتعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]. فعليك بالخشوع ولو للحظات كل يوم.فما عليك إلا أن تتأمل كل يوم بمعجزة من معجزات القرآن مثلاً، أو تستمع لآيات من القرآن بشيء من التدبر، أي تعيش في جو الآيات، عندما تسمع آية عذاب تتخيل نار جهنم وحرّها، وعندما تستمع لآية نعيم تتخيل الجنة وما فيها من نعيم، وهكذا كانت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام للقرآن.

حصرياً ... القرآن شفاء للمؤمنين !

بعد عرض القولين ، وجهة النظر العلمية ، والنظرة الإيمانية لتفسير قوة الشفاء في القرآن ، تبين لنا مدى الترابط والتشابه بين القولين حيث تَركز على مبدأ تأثير القرآن من خلال الاهتزازات. يركز الأول على تأثير الصوت على خلايا الجسم ، بينما يركز الثاني على تأثير الخشوع والتسبيح لله، وأثره في تغيير اهتزازات الدماغ وزيادة قدرته على مقاومة المرض والشيخوخة .

القرآن كلام الله نستخلص منه جميع الأحكام والدروس والإرشادات. إنه حبل الوصل بالله لذلك فإن القرآن هو دليلنا في اتخاذ القرار الصائب في موضوع قوة الشفاء للقرآن نفسه.

تخبرنا الأيات  "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ  "فصلت 44

" يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ" يونس 57

" وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا" الإسراء 83

قال قتادة: ( شفاء ورحمة للمؤمنين) إذا سمع المؤمن القرآن واستفاد منه وحفظه وافهمه (لا يزيد الظالمين إلا الخسارة) ولا فائدة ولا حماية للكافر من قراءة القرآن ، لأن الله جعل هذا القرآن شفاءً ورحمةً للمؤمنين فقط.ومعنى هذه الآية عند التفسير ابن كثير: (شفاء ورحمة للمؤمنين) القرآن يشفي داء القلوب والشك والنفاق والشرك والضلال والانحراف.

هذا إلا لمن آمن به وصدقه وتبعه ؛ يكون شفاء لهم ورحمة. بينما الكافر يبتعد عن الله ويزداد في الكفر به بعد سماع القرآن. الآيات في هذا كثيرة.

يتضح مما سبق أن قوة الشفاء في القرآن الكريم تكمن في قوة الإيمان بالله والثقة به ، وبدونها لا يمكن استخدام آيات القرآن للشفاء أو لمنفعة الدنيا. والعلاقة بين إمكانات الشفاء القرآني وترددات الصوت أو النغمات غير مقبولة منطقياً لأن القرآن حسب الآية السابقة غير فعال للكفار ويزيدهم من المرض والكفر.

الإيمان بالله قوة الشفاء السرية للقرآن ، والإيمان بالله يأتي من قراءة القرآن وفهم معناه ، فهو كلام الله الذي يحاكي الأرواح قبل الأذان والعقول .

كما أن النتائج التي أثبتت تأثير الخشوع والخضوع لله في الشفاء من الأمراض هي التفسير الأمثل لقوة الشفاء من القرآن الكريم. وقوة الشفاء في القرآن هي هدية حصرية ومكافأة من الله لمن يتفكر ويتدبر ويتورع ويخشى . وإلا فسيكونون في نفس مستوى الحيوانات ، لها عيون دون رؤية وآذان دون استماع وعقل دون تفكير.

كما ورد في الآية "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" .

أخيرًا ، يمكننا القول إن القرآن هو السبيل للوصول إلى حالة الخشوع من خلال التفكير في عظمة الله والوصول إلى مستوى روحي أعلى والتقرب إلى الله .

اقرأ

الوضوء... بين العبادة و علم الطاقة الحيوية

الأدب مع الله ... كلمات تُلامس القلوب

المصادر

1. Nakhavali, F., & Seyedi, S. H. A Research on “Rhythm & Music” in the Qur’an.

2. Taslaman,Caner. The Quran unchallengeable miracle, Nettleberry/Citlembik, 2006

3. Joel Schwarz, How little gray cells process sound: they're really a series of

computers, University of Washington, Nov. 21, 1997

4. Tomatis Alfred, The Conscious Ear, Station Hill Press, New York, 1991

5. Jenny Hans, Cymatics, Basilius Presse AG, Basel, 1974

Amazon.com: Books. Retrieved September 29, 2014, http://www.amazon.com

 http://www.techofheart.co

http://www.islamicwritings.org

http://www.mentalhealthcenterindia.org

  http://kaheel7.com