قلبت صفحات التّاريخ بحثا عن شخصية عظيمة، أغوص فيها وفي آثارها، فكلّما قرّرت الكتابة عن فلان، أعترض طريقي علّان، وهكذا، حتّى أنّ قلمي أحيانا كان يأبى الكتابة عن بعض الشّخصيات، مخافة أن لا يوفيها حقّها، فالتّاريخ يزخر بكثيرٍ من الشّخصيات العظيمة، سواءً الشّخصيات الإسلامية، أو الشّخصيات الوطنيّة، أو الشّخصيات الأدبيّة.
في بادئ الأمر قرّرت أن أنهل من بحر الصّحابي الجليل الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فلطالما أبهرني سيرته وشخصيّته وعدله، ثمّ لا أدري ما دهاني، لا أدري ما دفعني إلى ترك الكتابة عنه، وتفضيل الكتابة عن شخص آخر، ليس إنقاصا من عظمته، ولا نقصا في معلوماتي عنه، بل ربّما خوفا ومهابة من هذه الشّخصية الفذّة، أقول أنّني قرّرت بعدها الكتابة عن الوزير السّلجوقي "قوام الدّين الطّوسي" الملقّب بــنظام الملك، أحببت كثيرا هذه الشّخصيّة الحكيمة، خصوصا أنّها عاصرت عددا كبيرا من الشّخصيات العظيمة والمؤثّرة التي خلّد التاريخ اسمها، كـ "ألب أرسلان"، "حسن الصّباح مؤسّس فرقة الحشّاشين الثوريّة"، والشّاعر المرتبط اسمه برباعيته الرّائعة "عمر الخيّام"، ثمّ قبل أن أحمل قلمي هذه المرّة، لاحت أمامي شمس ذكرى قريبة، ليست ككلّ الذّكريات، ذكرى تاريخ مرتبط بوفاة أحد أعظم الشّخصيات الإسلاميّة والوطنيّة في الجزائر، يوم العلم الوطني في الجزائر، والموافق لـ 16 أفريل من كلّ سنة ميلاديّة، أذكر جيّدا احتفالاتنا بهذه الذكرى الخالدة في المدارس، أذكر لباسنا الموحّد في ذلك اليوم، قميص أبيضٌ، وتنّورة أو سروال أسود، هما نور العلم وظلام الجهل، لازلت أذكر كيف كنت أحمل الأقلام والورق وأهبّ مسرعة نحو أخي حتى يرسم لي ذلك الشّيخ ذا العمامة البيضاء بياض قلبه الطّاهر المشبع إيمانا، تلك اللّحية التي كان أخي يتفنّن كثيرا في رسمها، أمّا تلك العينان فكان أخي كثيرا ما يمسحها ثمّ يعيد رسمها من جديد قائلا: "عينا المفكّر يصعب رسمهما"، صدقت يا أخي، فمن صغري كان أكثر ما يجذبني في صورته "عيناه"، سرّ كبير، تفكير غزير، نهضة بالقلم والقرآن، آه من عيناك يا رائد النّهضة الإسلاميّة في الجزائر.

[لم نكن نتذكّرك إلّا في ذلك اليوم (ذكرى وفاته)، رغم كلّ آثارك إلّا أنّك منسيٌّ، أو بالأحرى تناسوك خوفا، تناسوك ظلما وجورا، تناسوك لأنّهم لا يريدون النّهوض بالجزائر نحو العلا، فلو أرادوا ذلك لجعلوا آثارك نصب أعينهم، ولخلّدوها في المدارس كمناهج لا كذكرى واحتفال.]
هو الإمام المصلح المجدّد الشّيخ عبد الحميد بن محمد بن مصطفى بن باديس الصّنهاجي، وُلِد أثناء فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1889م، بولاية قسنطينة شرق الجزائر، نشأ وسط أسرة عريقة مشهورة بالعلم والفضل والثّراء والجاه، وهو من أصل أمازيغي، ولم يُخْفِ الشّيخ المفكّر أصله، بل كان يُعلنه ويفتخر به لأنّه كان خير خلَفٍ لخيْرِ سلفٍ، فجدّه الأوّل ناضل الإسماعيليّة الباطنيّة في أفريقيا.
تعلّم القرآن وحفظه في السّنة الثّالثة عشر من عمره على يد الشّيخ "محمد المدّاسي"، صلّى التّراويح بالنّاس صغيرا، وأخذ مبادئ العربيّة والإسلام على يد شيخه "حَمْدَان لُونِيسِي".
التحق ابن باديس بمَجَامِعِ الزّيتونة بتونس سنة 1908م، فأخذ العلم عن العلّامة "محمد القيرواني"، والشّيخ "محمد الطاهر ابن عاشور" وغيرهما، وخلال هذه الفترة اطّلع الشّيخ على العلوم الحديثة وما يجري من إصلاحات دينيّة وسياسيّة في بعض البلدان العربيّة والإسلاميّة كـــمصر والشّام، وهذا ما جعله بعد رجوعه سنة 1912م إلى الجزائر حاملا شهادة التّطويع متأهّبا للتفرّغ للتّدريس بالجامع الكبير، رغم ما واجهه من صعوبات حالت دون تحقيقه لطموحاته وآماله، فقرّر بعدها أداء فريضة الحجّ، واغتنم بذلك فرصة الاتصال بجماعة المفكّرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فاحتكّ بهم وتبادل معهم الآراء، وحضر أثناء ذلك دروسا لعددٍ من العلماء من مختلف البلدان مثل الشّيخ "حسين الهندي" الذي نصحه بالعودة إلى بلده، لأنّها تحتاجه وتحتاج علمه وفكره، وبعد عودته إلى قسنطينة سنة 1913، وكُلُّهُ شَغَفٌ في بلورة الفكر الإصلاحي وتطبيق مناهجه، وقد ساعده في ذلك في ذلك الشّيخ "العربي التبسي" والشّيخ "محمد البشير الإبراهيمي" والشّيخ "الطيب العُقْبي" وغيرهم.
تميّزت دعوة الإمام ابن باديس رحمه الله إلى الفكر الإصلاحي بثلاثة محاور أساسيّة، أوّلها "إصلاح عقيدة الجزائريين"، عن طريق بيان التوحيد، وثانيها "إصلاح عقلية الجزائريين"، عن طريق إصلاح العقول بالتّربية والتّعليم، وتكوين أجيال قائدة في الجزائر، تعمل على بعث نهضة شاملة متوقفة على إصلاح الفرد الجزائري وتكوينه من النّاحية الفكريّة والنّفسية، وثالثها "إصلاح أخلاق الجزائريين"، عن طريق تطهير بواطن الأفراد، وتهذيب أنفسهم وتزكيتها وإنارة عقولهم، وتقويم أعمالهم، وإصلاح العقيدة حتى يعمل الفرد الجزائري على تغيير ما بنفسه لكي يغيّر الله ما به من سوء وانحطاط.
واعتبر الشّيخ عبد الحميد أنّ الرّجوع إلى الفقه والسّنة وفهم السّلف الصّالح، هي سبيل النّجاة والنّهوض، فقال رحمه الله: "لا نجاة لنا من هذا التّيه الذي نحن فيه، والعذاب المنوّع الذي نذوقه ونقاسيه، إلّا بالرّجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتّفقه فيه، وفي السّنة النّبويّة شرحه وبيانه، والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحّة الفهم والاعتضاد بأنظار العلماء الرّاسخين والاعتداء بهديهم في الفهم عن ربّ العالمين".
ثمّ أسّس الشّيخ أوّل صحيفة جزائريّة ناطقةً بالعربية، وهي صحيفة "المنتقد"، قاصدا بذلك تعزيز الحلقات العلميّة في المؤسّسات التّربويّة والدّروس المسجديّة ونشر دعوتها على أوسع نطاق، غير أنّ هذه الصّحيفة لم تعمّر طويلا بسبب منعها من طرف الحكومة الفرنسيّة، لكنّ إصرار الشّيخ جعله يُصدر مجلّة "الشّهاب"، والتي قامت على نفس المبدأ والغاية، وجعل الشّيخ العلّامة رحمه الله يُوسّع نشاطه وصولا إلى دعوة الأوساط السّياسيّة المختلفة إلى الاتحاد والتّغيير، من خلال تأسيسه لــ "جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين" في 05 ماي 1932م، وتهدف هذه الجمعية إلى التعليم والتّربية، وتطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإيقاد الحماس في قلوب الجزائريين، وإحياء ثقافتهم العربيّة التي عمل المستعمر الفرنسي على طمسها، والحفاظ على الشّخصيّة الجزائريّة بكلّ مقوّماتها الحضاريّة والدّينيّة والتّاريخيّة، وصدر عن الجمعيّة عدّة مجلّات: أولاها جريدة "السّنة النّبويّة المحمّديّة" لكنّها لم تعش طويلا، فخلفتها جريدة "الشّريعة النّبويّة المحمّديّة"، هي الأخرى لم تعش طويلا، لتخلفها جريدة "الصّراط السّوي"، ولم يختلف عمرها عن سابقتيها، ثمّ أعادت الجمعيّة الكرّة عن طريق جريدة "البصائر" التي أشرف عليها "الطيّب العُقْبي" وعاشت 21 سنة.
أمّا فيما يخصّ آثار العلّامة المفكّر، فهي آثار عملية لا نظريّة، فبينما كان بعض المصلحين قديما وحديثا يُفكّرون وينتظرون الفرص ليُطبّقوا النّظريات التي جاؤوا بها في مؤلّفاتهم، كان ابن باديس يخطّ آثاره ميدانيا في المدارس والمساجد، فقد فسّر القرآن الكريم وشرح موطّأ الإمام مالك في دروسه اليوميّة، كتب في المجلّات والجرائد، هاجم فرنسا وأساليبها الاستعمارية، شرح أصول السّياسة، وأسّس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وسيّرها، هذه الأخيرة لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، وتجد لها في كلّ ولاية فرعا، كما سهر على إدارة مجلّة الشّهاب، وتفقّد القاعدة الشّعبية باتصالاته المستمرّة، كتب العديد من الأشعار والخطب التي ألهمت الشّعب الجزائري آنذاك ولا تزال تلهمه حتى السّاعة، ولا يمكن ليوم العلم الوطني في الجزائر أن يخلُوَ من ترنيم أشعاره وتخليدها
توفيّ الشّيخ عبد الحميد بن باديس ليلة الثّلاثاء 16 أفريل 1940 في قسنطينة مسقط رأسه، وشيّعت جنازته وفود عديدة نحو مقبرة آل باديس الخاصّة في مدينة قسنطينة، فنعاه شاعر الجزائر "محمد العيد آل خليفة" قائلا:
يا قبر طبت وطاب فيك عبير***هل أنت بالضيف العزيز خبير؟
هذا (ابن باديس) الإمام المرتضى***(عبد الحميد) إلى حماك بصير
العالم الفذّ الذي لعلومه صِ***ــيتٌ بأطراف البلاد كبير
بعث الجزائر بعد طول سباتها***فالشعب فيها بالحياة بصير


من أشعار الشيخ العلامة عبد الحميد ابن باديس:


رابط أنشودة شعب الجزائر مسلم شعر عبد الحميد بن باديس 
https://youtu.be/ZrU_IVjRMMA


رابط أنشودة اشهدي يا سماء، شعر ارتجالي لعبد الحميد ابن باديس
https://youtu.be/8FDtMpmHnpc

نماذج من احتفالات يوم العلم في الجزائر
https://youtu.be/586tvl5-ZZQ
https://youtu.be/yO2k1J86OGI