كان أبي مسلما، وكانت أمي كذلك، وأجدادي أيضا، فولدت مسلمة، ورثت الإسلام عن آبائي وأجدادي، ونعم الدين هو، لكن هل هذا فقط؟، هل يكفي هذا؟، هل يكفي أن ولدت كذلك؟، إلى زمن غير بعيد كنت أظن ذلك كافيا، رأيت والداي يصليان فصليت، يصومان فصمت، يقرآن القرآن فقرأت، كل شيء طبقته بالتبعية، أرجع إلى الوراء قليلا، بالضبط عند عبارة 《يقرآن القرآن فقرأت》، هل فعلا قرأت القرآن؟، الجواب: نعم قرأت، هل فهمت ما قرأته؟، الجواب: ..............

عند هذه النقطة وضعني هذا الكتاب (استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة) في قالب جديد، القالب العمري، أحس أني ولدت من جديد، تماما كما ولد عمر بن الخطاب بعد إسلامه، أصابني ذلك الزلزال الذي أصاب عمر الفاروق حين قرر أن يولد من جديد، أن يولد ولادة لا تشبه أي ولادة، ولادة دون نزغ ذلك الشيطان، وكذلك ولدت أنا.


كل كلمة في القرآن تعنيني، كل أمر، كل نهي، كل تحذير، كل زجر، كلها تعنيني وتعنيكم، كثيرا ما كنت أقرأ القرآن كأي كتاب، وهل يستويان!، كنت أحاول التمعن في الألفاظ وفهمها، فهل فعلا فهمت ما تعني، فقط شُبّه عليّ، الجواب: فعلا، شُبّه عليَّ كثيرا، أحيانا كنت أفهم العكس، وأحيانا كنت أحسب أنني فهمت، لكن أخيرا ظهر العكس، لم أكن أفهم شيئا!، كلمات القرآن وألفاظه ليست ككل الكلمات والألفاظ، نعم، أنزل القرآن عربيا، أنزل باللغة العربية، لكن أين هي اللغة الآن، هي تعاني وتقاسي الأمرّين، أين كانت، وأين صارت، نحن لم نعد نفهم كثيرا من عربيتنا، أحيانا نفهم من سياق الحديث، وأحيانا نشبه، وأحيانا أخرى يخيل لنا أننا فهمنا، وكثيرا من الأحيان لا نفهم، لهذا لم نعد نفهم ما جاء في القرآن، حتى تلك الآيات البسيطة، بعد سوء فهمي وعدمه، قرّرت أن أفهم، قرّرت البحث في كتب التفسير، قرّرت الولادة من جديد، قرّرت الولادة بالقرآن، وليس مجرد الولادة، بل قرّرت أن أكبر به، أن أسير على نهج القرآن، ليس كمسيرتي السابقة، بل مسيرة عمرية.

تلك المسيرة العمرية التي تحدث عنها مؤلف الكتاب، تلك المسيرة التي وجب على كل مسلم أن يسيرها، مسيرة تترك أثرا على مرّ العصور، تماما كما تركت مسيرة الفاروق أثرا بل وسما وحضارة راقية، حضارة كان علينا الحفاظ عليها والسير في إتمامها، لكن عدم سير سلفنا على إثرها لا يعني عدم قدرتنا على خلقها من جديد، فكثيرا ما تبنى حضارة على أنقاض أخرى، أنا وأنت والكل نستطيع بناء حضارة حجر الأساس فيها القرآن الكريم.