أولا: تعدّد الزوجات قبل الإسلام.

إنّ أوّل ما يعنى به في موضوع تعدّد الزوجات هو معرفة الجهة أو الدّين أو الحضارة المنشأة له.

وأوّل حقيقة يجب معرفتها بخصوص هذا الموضوع هي أنّ الإسلام لم ينشئ نظام تعدّد الزوجات، فالتاريخ يثبت أنّه كان سائدا قبل ظهور الإسلام في شعوب وأمم كثيرة؛ فقد عُرِف عند العبريين والعرب في الجاهلية، وشعوب الصّقالبة أو ما نسميه اليوم بروسيا وليتوانيا وأستونيا وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا، ويوغسلافيا، وعند بعض الشعوب الجرمانية والسكسونية، كما وجد في الحضارات القديمة عند الصينيين والبابليين والآشوريين وغيرهم، وعرف أيضا في الدّيانات السّابقة للإسلام و لم يرد نصّ صريح يمنع التعدّد فيها. [1]

١-تعدّد الزوجات في الحضارات القديمة.

كثيرة هي الحضارات القديمة التي كانت تأخذ بتعدّد الزوجات، ولدراسة ذلك سنفرّق بين دول الشرق القديمة ودول الغرب القديمة.

أ-التعدّد في دول الشرق القديمة المتحضّرة.

*الصّين القديمة.

كان الصّينيون يتمسكون بحرية كبيرة في صِلاتهم بالنساء قبل الزواج، وهذا يعني تعدّدا غير منظّم، وفتحًا لأبواب الحرام على مصاريعها.

أمّا بعد الزواج فكان يباح للزوج أن يشتري فتيات يستمتع بهنّ، إلاّ أنّهنّ يخضعن للزوجة الأصلية، وتكون منزلتهنّ أقل من منزلة الزوجة الأولى حيث يُعتبرن زوجات من الدّرجة الثانية، كما أنّ أولادهنّ يُعتبرون أبناءً للزوجة الشرعية.

وكان الصّينيون ينظرون إلى التعدّد على أساس أنّه وسيلة لتحسين النسل، وكثيرا ما كانت الزوجة العاقر تحث زوجها على أن يتخذ زوجة ثانية من المحاظي اللاّتي يؤثروهنّ بالعناية وبالصِلات الجنسية.

وكان للنّبلاء من الصيّنيين حق التعدّد قياساً على مقاماتهم: فكان للأمير الحق في تسع زوجات، في حين للملك الحق في اثنتي عشرة زوجة بالإضافة إلى الخليلات أمّا الفقراء فكانوا يكتفون بزوجة واحدة. [2]

*مصر القديمة .

كان الزواج عند قدماء المصريين يسير على نظام تعدّد الزوجات، ولم يكن القانون المصري يمنعه، ولم تكن الزوجات متساويات في الحقوق حيث ظهر في بعض النقوش أنّ الزوجة الأولى جالسة على مقعد مرتفع وفي مكان الصدارة وقد وضعت يدها على كتف الزوج أو حول وسطه في حين ترى باقي الزوجات واقفات يقدمن الخضوع لها.

وتعدّد الزوجات كان أمرا شائعا عند الأمراء والفراعنة وحتى الكهنة كانوا يتزوجون أكثر من واحدة.

غير أنّ نظام تعدّد الزوجات في مصر القديمة كان أكثر تنظيما، وأدقّ تنفيذا نظرا للتقدّم القديم. وأحيانا كان يُشترط في عقد الزواج ألاّ يتزوّج الزوج امرأة أخرى، وإلاّ عوقب بدفع غرامة. [3]


ب-التعدّد في دول الغرب القديمة.

*عند اليونان.

كانت المرأة في العهد الأوّل من الحضارة اليونانية طليقة تفعل ما تشاء، ثمّ ضيّق عليها الزّوج وحبسها في منزلها.

وكانت العادة آنذاك أن يقتصر الفرد على زوجة واحدة، ويرجع ذلك إلى أنّ في وسعه أن يتّخذ خليلة يعاشرها معاشرة الأزواج، على أنّ التعدّد كان مسموحا به في حالات الحروب التي تقضي على عدد كبير من الرّجال حيث أنّ القانون أباح صراحة التزوّج باثنتين وكان « سقراط » و« يوربديز» من بين الذين استجابوا لهذا القانون، إلاّ أنّ الزّوجة الثانية تصبح جارية متى فارقها الجمال، وأبناءها هم أبناء غير شرعيين على غرار أبناء الزوجة الأولى. [4]

*عند الرّومان.

لم تكن للمرأة الرّومانية شخصية قانونية، ولا تتمتّع بأية أهلية، وهذا لكون القانون الرّوماني يعتبر الأنوثة من أسباب انعدام الأهلية، ثمّ إنّ حالها تطوّر في العصر البيزنطي فأصبحت ناقصة أهلية.

وكان الزوج كلّ شيء في الأسرة التي كان الزواج فيها يقوم على الفردية، وذلك راجع إلى الإباحية المطلقة التي كانت تعيشها « روما » في ذلك العهد.

ورغم ذلك فقد وجد هناك تعدّد الزوجات، فيحلّ للمواطن أن يعيش مع سيّدة من طبقة أقل من طبقته عيشة زوجية دون أن يعقد عليها عقدا قانونيا صحيحا. وظلّ تعدّد الزوجات نظاما اجتماعيا فعلا لا قانونا، حتى حظره « جستنيان » غير أنّه لم يستطع أن يقتعله، فظلّ فاشيا. [5]

يتبع...

المراجع:

[1]... - عبد التواب هيكل: تعدّد الزوجات في الإسلام وحكمة التعدّد في أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، دحض شبهات وردّ مفتريات، دار القلم، الطبعة الأولى، بيروت، 1982م، ص:56،55 .

[2]... -راسم شحدة سدر: تعدّد الزوجات بين الإسلام وخصومه، دار الثقافة، الطبعة الأولى، الأردن، 2010، ص: 39-41.

[3]... -إبراهيم محمد الجمل: تعدّد الزوجات في الإسلام، الردّ على افتراءات المغرضين في مصر، دار الاعتصام الإسلامية، بدون طبعة، القاهرة، مصر، 1986 م، ص: 17- 19.

[4]...-راسم شحدة سدر: المرجع السابق، ص:44-46.

[5]... -إبراهيم محمد الجمل: المرجع السابق، ص:22،21.