فيسبوك، تويتر، واتساب، سناب شات، أنستغرام وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي؛ هي نعم استحالت نقما في بلداننا العربية، لعنات توالت على قوم ماكان ينقصهم سوى نواد وهمية لمضيعة ما تبقى من زمن، لربما هي مرايا تعكس اضطرابات عدة لشبابنا، فأغلبهم يعاني من أمراض نفسية مركبة تظهر عبر سكنه واستقراره في أركان هذه الأكوان اللامتناهية، بدل اقتصاره على التواصل الذي أنشئت من أجله؛ فمنهم من جعل منها مجالا لتفريغ كل مكبوتاته، كل ما يعجز عن قوله والقيام به حقيقة.. ومنهم من جعل منها ملاذا ومهربا من واقعه الذي ربما ضاق به ذرعا.. ومنهم من بنى له فيها مدينته الفاضلة، عالما وهميا زهريا، أصدقاء يحبونه بوفاء وبلا مقابل، وحياة مثالية ترضي سخطه وتخلو من الشر والبراغماتية.. منهم من مل من الإهمال والإقصاء، ومنهم من كثر وقت فراغه وخواء الدقائق الغالية فظن أنه بها قد ملأ وقته ونظم يومه وكان فاعلا في وسطه، ومنهم من علم يقينا أن أسهل الطرق لكسب الشهرة وجذب الأضواء واستمالة الجمهور (من العامة) هي خوض مضمار هذه الأدغال الموحشة في عمقها.

هنا توغلت فينا ثقافة الاستهلاك، صنعنا من الأغبياء والتافهين نجوما، هنا منحنا مقامات عالية لمن لا وزن لهم ولا قيمة إن جد الجد، هنا آمنا بترهات النضال الافتراضي، لغة الخشب والفلسفات الطوباوية، فصدقنا الثرثارين ها هنا المتخاذلين البخلاء إن احتاجهم حقا المجتمع والوطن والهوية وكل تلك القضايا التي يصدعون رؤوسنا بالمنشورات والتغريدات عنها، هنا رسخت ثقافة الشجب لدى العرب، هنا توقف سقف الغضب عند تغيير وتوحيد الصور الشخصية، هنا نشأت ازدواجية الشخصية، الشيزوفرينية، النرجسية، تضخم الذات، القلق والتوتر، تقلب المزاج، ضعف القلوب، وسهولة اللقاء والفراق، جبال من الهموم والمشاكل الافتراضية التي قد تصبح عقدا قائمة بذاتها وإن تم الانسلاخ عن أمكنة ظهورها، هنا النفاق مباح واستعارة الأسماء والشخصنة متاحة، هنا قهرنا قلوب فقراء كثر بتصويرنا لموائدنا، وتشهيرنا بممتلكاتنا بداية بالأكل ونهاية بالسفر والترفيه، هنا كسرنا ظهر مفهوم الخصوصية فأشعنا تفاصيل يومنا بدقة، مشاكلنا التي تعترض علاقاتنا العائلية والعاطفية جعلناها عرضة للعالم ليفتونا فيها أو يستغلوها ضدنا يوما ما..لم لا؟ هنا صار الكل يخطب ويتحدث وكأنه طبيب، مهندس، رائد فضاء، منظر ومحلل سياسي، شيخ جليل وعالم فقيه، دكتور مبجل وكاتب بارع وشاعر محنك..لا، بلا شواهد، بلا علم، بلا جهد، وبدون تعب.

ثم إن لنا جميعا بين يدي الله يوم القيامة موقفا؛ عن أموالنا سنسأل، عن أولادنا سنسأل، عن صحتنا سنسأل، وعن فراغ وقتنا سنسأل..وقتنا أين مر، فيم ضاع، كيف خدمنا به وطنا وأمة ودين، وكيف تركنا به عملا لا ينقطع بعد رحيلنا، كبف صنعنا من خلاله بصمة، وتركنا أثرا طيبا..كيف وكيف وكيف، فلنعد الإجابة إذا ليوم نحتاجها فيه.

نصيحة أخيرة لشباب أمتنا؛ رجاء أعزائي، لا تذوبوا تماما، لا تنصهروا، لا تصدقوا كثيرا، وتنزلقوا، لا تخرجوا الافتراضي العابر من قالبه وتجعلوه مقيما دوما، الأصدقاء والأحبة والمعارف الذين صنعناهم في هذا العالم أناس طيبون في العادة، لكنهم قد لا يدومون طويلا، فهم أيضا افتراضيون في نهاية المطاف.. الوهم وهم والحقيقة حقيقة، ماترونه هنا ليس دائما يعني جوهر الأشياء، يتخلل معظمها غش ما، بدءا من البشر ونهاية بالمنتجات التي نقتنيها عبر هذا العالم.. ألا تلاحظون الانتكاسات المتكررة التي تطال الواحد منا كلما قارن بين الصورة والحائط والصفحة والمنشور والتغريدة وبين الواقع، الشخص، الروح، وأحيانا الجسد هو الآخر.. فرفقا بكم وبرعيلكم، نحن نهوي، نحن نسقط، نحن نضيع، نحن نزيد تقهقرا وتخلفا ودائرة الانحطاط تكبر فتكبر، فعلوا الهمم واحملوا القلم، حركوا الساعد والقدم بدل البقاء كأصنام أمام حواسيبكم وهواتفكم بلا نتيجة تذكر، تغير حالنا المخيف هذا رهين بكم، بتخلصكم من هذا الكسل والتواكل والجمود، تحركوا فمن الحركة قد تطالنا بركة ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ التوبة؛105-

ملحوظة؛ أعلم جيدا كم هي وما هي فوائد ومحاسن هذه العوالم، وكم خدمتنا، وكم أعانتنا، وكم كانت إعلاما بديلا لنا، ومنبر حق وحرية في كثير من الأحيان.. لكنني هنا تعمدت أن أخص بالذكر المساوئ لأنها ذات أثر وخيم وبارز على شعوبنا البين مطرقة التخلف وسندان الجهل.