"إن الغرب كان موضوعا لحملة من التضليل والخداع في السنوات العشرين أو الثلاثين الأخيرة جعلت مؤسساته العامة من المشرعين إلى القضاة ومن الكنائس إلى التخصصات الذهنية الصحية يؤمنون بشكل واسع أن المثلية الجنسية موروثة عضويا وبالتالي لا يمكن تغييرها !"، عن مقدمة كتاب "جيناتي جعلتني أفعلها"، للكاتبين الأخوين "نيل وبريار وايتهيد".

تطفو على السطح بين الحين والآخر، مزاعم تدعي العلمية والتجريب، تتبنى  المثلية الجنسية بقطبَيها (أو الشذوذ الجنسي بمعنى أصدق وأدق) باعتبارها محض ميول فطري، يشبه تماما اشتهاء الرجال للنساء أو رغبة النساء في معاشرة الرجال، ولا يتعلق بأي اضطرابات على أي مستوى يُذكر.

حيث يقوم الخطاب الداعم لتيارات المثلية الجنسية بمحاولة فرض "عاديّةِ" الشذوذ، تحت لواء ثلاث أكذوبات: 

الأولى تتعلق بقياس السلوك البشري على السلوك الحيواني، أي بما أن كثيرا من الحيوانات قد لوحظ لها سلوك جنسي مثلي، فعلى غرارها يبرّرون السلوك الإنساني الشاذ على كونه طبيعيا أو غريزيا. 

أما الثانية فتُعنى بافتراء وجود كود جيني (Genetic code) في الحمض النووي البشري باعتباره المسؤول عن الميول المثلي أو السلوك الجنسي عموما.

والثالثة مهمتها نفي تدخل كل من المتغيرات البيئية والعوامل الاجتماعية والاضطرابات النفسية، في انحراف أو تحديد التوجه الجنسي.

فصار الشغل الشاغل للمنتمين لهذه الطائفة (الشواذ والموالين لهم) هو الاجتهاد في إثبات صحة أي من المزاعم السالفة الذكر، بدعوى الشرعية العلمية للمثلية الجنسية، لكن من سوء حظهم، ووهن براهينهم، طالما تعرضت هذه الادعاءات للفضح والدحض والتكذيب والتفنيد، بطرح علمي دامغ ومؤكد، مما يُسقط في كل مرة ما يسميها البعض بـ "أكذوبة التبرير العلمي للشذوذ الجنسي"

مع ارتفاع عدد المؤسسات والشركات العالمية الداعمة للشذوذ، ومع علو صوت الأبواق المروجة لهذا التوجه من كل صوب وحدب، ومع استهداف المثليين وأتباعهم للجيل الجديد باعتباره أرضية خصبة لزرع مفاهيم جديدة وقيم جديدة .. أصبحت أسئلة كثيرة تراودنا وتدغدغ حواسنا ؛ 

من المستفيد من تعزيز المثلية كحق من حقوق الإنسان؟ من هي الجهات الداعمة ماديا وإعلاميا لهذه الموجة؟ كيف نحمي أطفالنا من الشذوذ كممارسة جنسية وكتطبيع إيديولوجي وأخلاقي مع هذا السلوك ؟ ما هي الثغرات التي تتغذى عليها هذه الأفكار المسمومة ؟ 

لا يمكننا الشروع في استعراض الأجوبة التي تخص ما طرحناه من أسئلة أعلاه، قبل أن نتم عملية نسف خرافة المثلية، وعرض الأسباب المؤدية للإصابة بالشذوذ الجنسي لدى الجنسين معا.

أولا: لدينا وجهان من مجانبة الصواب فيما يخص الاستدلال المتعلق بالسلوكات المثلية لدى الحيوانات، فمن جهة لا يصح قياس السلوكات الحيوانية على السلوكات الإنسانية، وذلك نظرا للتباين النوعي، فلكل نوعِ كائن حي (Species) تركيبته البنيوية والوظيفية التي تختلف عن النوع الآخر. ومن جهة أخرى فأغلب الحيوانات الممارسة للمثلية لا تقوم بذلك بدافعٍ غريزي أو شهواني، إنما بدوافع أخرى من بينها أن الذكر يحاول استمالة الإناث اللائي يبحثن عن الأقوى، أو يعلن السيطرة على ذكور آخرين، أو يظهر هيمنته على منطقة معينة. وأحيانا حاسة الشم تخونه في التقاط الرسائل الجنسية، فلا يفرق بين الذكر والأنثى .. وكل هذه التفاصيل بطبيعة الحال لا تمت بصلة لدزينة المبررات التي تدّعيها بروباغندا المثليين والمثليات. 

ثانيا: كثيرا ما نجد عناوين عريضة لامعة من قبيل "تأكيد وجود الجينات المسؤولة عن التوجه الجنسي" أو "جين المثلية" أو غيرها الكثير .. لكن أغلب هذه العناوين مشكوك في مصداقيتها أو صحة مضمونها، لأنها في النهاية محاولات عبثية لجعل الوهم حقيقة ! 

لن أتحدث في موضوع الجينات كثيرا، لكني أحيلكم على البحث في أشهر الحوادث التي هزت العالم المثلي كادعاء لتأكيد مزاعمهم "جينيا"، وكيف تم نفيها من طرف الداعمين للمثلية أنفسهم، بعد مماطلة وتضليل طويل.. على سبيل المثال لا الحصر : 

قام "دين هامر" عالم الوراثة الأمريكي الشهير والمؤيد للشذوذ الجنسي، بإجراء بحث ادعى من خلاله الربط بين علم الجينات والمثلية الجنسية، وقد تلقت الصحف العالمية طبعا هذا الخبر بحفاوة شديدة، وعنونته بـ "باحث يكتشف جين الشذوذ الجنسي".. العنوان يبدو مغريا وصريحا إلى حد بعيد، حيث أن العديد من القراء صدقوا فحواه، ونشروا الخبر كالنار في الهشيم، رغم كل ذلك، خرج هذا الرجل في تصريح يقول: "لم نكتشف الجين المسؤول عن التوجه الجنسي، بل نعتقد أنه ليس موجودا أصلا" .. لعل ضميره العلمي استفاق، وأدرك أنه يمرر مغالطاتٍ سيكتبها التاريخ، لأجل إشباع معتقداته الفاسدة.

والحوادث المماثلة في السنوات الماضية كثيرة؛ ولعلها أتت لتثبت فشل هذه العصابة على المستوى الجيني أيضا؛ لا يوجد أي جين مسؤول عن الهوية الجنسية للإنسان. 

ثالثا وأخيرا؛ الأطباء الذين كانوا ضمن اللجنة التي كلفتها منظمة الصحة العالمية للتأكد من كون الشذوذ الجنسي مرضا نفسيا فنفت ذلك، تكوّن معظمها من الشاذين جنسيا مع الأسف، (جاء هذا الكلام على لسان أطباء وأخصائيين نفسيين مازالوا يقرون بأن الشذوذ مرض جنسي، من بينهم الدكتور المغربي "د.أحمد الحمداوي") 

غياب الأب أو الأم في طفولة المثلي، يجعل نسبة اتجاهه نحو المثلية أكثر من 20٪، اعترف 84٪ من المثليين الذكور بأن آباءهم (الأب) كانوا غير مبالين بهم في صغرهم مقابل 10٪ فقط للغيريين (أي الذين يمارسون الجنس مع الجنس المغاير).

أغلب الشواذ جنسيا كان لديهم في الصغر قلة من الأصدقاء من نفس جنسهم، وتعرضوا للرفض من طرف الجماعات المماثلة لهم في الجنس. 

نتيجةً لاضطراب نفسي، أو مشكل أسري، أو اختلال في البيئة الاجتماعية لبعض الأطفال، عرفوا حالة من  "اللاتحديد للهوية الجنسية" (Gender Non-Conformity)، الأمر الذي ساهم بنسبة 15% في اتجاههم الجنسي إلى المثلية، لاسيما إن رافق هذا الاضطراب اعتداء/تحرش جنسي أو اغتصاب في الصغر.

ثمة لوبيات خاصة بتفكيك منظومة القيم التي تتفق عليها الإنسانية، ولوبيات مختصة في تلويث الفطرة النقية التي تجمع البشرية، ولوبيات وُجدت لشرعنة كل ماهو خارج الطبيعة وخارج النص وخارج القانون وخارج المؤسسات وخارج الأديان وخارج حقيقة الإنسان، تحت ذريعة حقوق الأقليات وعلى رأسها "الشواذ جنسيا".

الحرب قائمة، والبشر يمشون نحو الانقراض، فقد فقدوا أذواقهم الأولى، وهم في طريقهم ليفقدوا القدرة على الاستمرار، فجريمة الشذوذ تعني توقف التوالد، وتوقف التناسل يعني نهاية البشرية. 

اللوبيات التي تزرع فروعها وتغرس أنيابها في مختلف أنحاء العالم، تشكل ضغطا كبيرا عبر أنجع الوسائل (الإعلام، السياسة، الاقتصاد..) حتى تبلغ مستوى تأمين الظروف اللائقة لترعرع الإنحرافات التي يعتبر الشذوذ من أهمها، هذه اللوبيات تملك كل شيء دون الضمائر وسلامة النفوس. 

تقول أستاذة علم الاجتماع "آميباتلر" في ورقة بحثية راجعت فيها كل الدراسات الاستقصائية التي تناولت نسب الأشخاص الذين كان لديهم شريك جنسي مثلي في الولايات المتحدة الأمريكية منذ 1988 حتى الآن: "بدأت النسب تتضاعف منذ 1991 فصاعدا، مما يعني أن العوامل الإعلامية والاجتماعية والسياسية كان لها دور كبير في تحديد الميول الجنسي، وإلا لو كانت المثلية الجنسية حتما جينية لظلت النسب ثابتة !" 

في النهاية يبدو جليا أن أسلحتهم فتاكة، وأننا لا نملك منها نقيرا غير الوعي بها، ولا نستطيع إليها سبيلا غير حماية أطفالنا منها.. فالجيل الذي صار يستسهل جريمة التجذيف عكس تيار البشر الذي يضمن الاستمرار، من الطبيعي أن نراه غدا يتعايش مع جرائم أخرى كالقتل والسرقة وغيرها ! 

هذا التعايش والتعاطف، وممثلوه من القطيع حقا سينهينا، فلا وجود لحرية مطلقة، والذي يعتقد غير ذلك ينبغي أن نخاف منه، لأنه قد ينادي بعد حين بتشريع مضاجعة الأطفال، ومضاجعة الحيوانات، باعتباره جينا جديدا، يحدد التوجه الجنسي للإنسان.. لا تستغربوا، لأن الشذوذ أيضا في البداية كان نادرا وغريبا، ولأن هذا النوع من الاضطرابات وارد جدا، بل قد ورد من قبل، حيث أن صنفا من الناس حاليا في الغرب بدؤوا يمارسون الجنس مع بعض القرود والحمير والكلاب وغيرها وثمة جمعيات تطالب بإدراجهم ضمن الأقليات، وفي زمن مضى كان من الطبيعي جدا أن يعاشر الملوك ووجهاء القوم "الغِلمان" أو الأطفال الصغار عند العرب، وأن يصف ويتغزل الشعراء بأجسادهم بكل وقاحة وبجاحة، وقد يعود ذلك الزمن مادامت الفطرة التي ينبغي أن ترشدنا تائهة عن بوصلتها. 

أرجوكم؛ راقبوا كل القنوات والمشاهد التي يتعرض لها صغاركم، كونوا على مقربة من الألعاب الشعبية التي يلعبونها مع أقرانهم، لقنوهم تربية جنسية صحيحة، علموهم أن التحرش لم يعد حكرا على الجنس المخالف، بل صار من الطبيعي جدا أن يأتي من نفس جنسهم، غذّوا أخلاقهم جيدا حتى لا يسهل على الرداءة والبذاءة اختراق عقولهم، عززوا فيهم الجانب الإيماني والروحي واجعلوا علاقتهم بالله عز وجل مبنية على حب مرضاته والخجل من معصيته، أخبروهم أن المثلية الجنسية شذوذ وانحراف يورث الأمراض والشقاء بدل السعادة، فهو إما قرار أخرق، أو اضطراب نتج عن خلل نفسي أو اجتماعي أو أسري في الطفولة، وأنه لا ينبغي لهم أن يعتبروها حرية وميولا، إنما مرض يدعو للاستشفاء المركَّز .. فإن لم تفعلوا ذلك وغيره مما شابهه، لنتفاجئنّ جميعنا بجيل ملوّن مائل يتساهل ثم يمارس ثم يدافع بشراسة، "جيل قوس قزح" الذي قد يأتي بنهاية فصيلة الإنسان ! 



مصادر ومراجع: 

- ميدان، الجزيرة + مواقع إلكترونية أخرى 

- مساري التكويني في المعهد الملكي لتكوين الأطر؛ تخصص حماية الطفولة ومساندة الأسرة