تحت عنوان - عروس للبيع

في قانون عاهات بلدي وتقاليده لا بد أن أباع بثمن باهض في مزاد علنيّ مرموق حتى يذاع بين الناس عني أنني ذات همة وشأن وقدر وأنّي لست "رخيصة في قومي"..

مرحبا يا شباب؛ أنا فتاة ما، مسجلة في دفاتر بلدي تحت عدد ما، أعيش جغرافيا في المغرب، وزمنيا في القرن الواحد والعشرين، لكنه هنا يشبه أواسط القرن الخامس عشر ميلادي في الحقيقة، أمضي طفولة عادية ككل أطفال العالم، ومراهقة طبيعية على الأغلب، حتى تظهر عليّ شروط النكاح، فأتحول فجأة إلى بقرة حلوب، وقصة بيعي تتم على النحو الآتي:

أولا يجمعني القدر بالشخص الذي أقرر أن أتم معه ما تبقى من سنين حياتي، فيما معناه أن نتزوج على كتاب الله وسنة رسول الله (هذا إن لم يقترحني عليه أحد الوسطاء بيننا، أو تقرر المصير كل من عائلتينا دون ميل أو اختيار حر أو حتى معرفة حقة)

ثانيا تبدأ الطقوس المقدسة حسب الفصل الأول من المجلد الأول في موسوعة "مراسيم الزواج المغربية"؛ حيث تتم الزيارة الأولى من سلسلة الزيارات والتي غالبا ما تكون مكونة من النساء المقربات للعريس بزعامة أمه، حيث تقوم هذه الأخيرة دون إثارة أي شكوك حولها بعملية جس النبض، وسبر الأغوار، وقياس جودة البقرة - أقصد العروس المرشحة، وتقوم بتقرير كامل ومفصل عن مزاياها ومساوئها (مستوى الطبخ والغسيل والتنظيف والتوضيب..، تضاريس جسدها ووزنها وطول شعرها...)

ثالثا وبعد الاختبار المجهري يتم الاتفاق في النهاية، لاسيما إذا كان العروسان مصصمان وراغبان ببعضهما البعض ويفضلان الاستقرار مستقلين عن أهل الزوج المستقبلي. وهنا تأتي مرحلة حاسمة أخرى، وهي الخطوبة (العادية) أي أن أهل العريس يقومون بشراء مجموعة من الهدايا للعروس وكأنها وُلدت للتو عاريةً جائعة حافية هـه – إذ أن معظمها عبارة عن ملابس نوم وملابس داخلية وحذاء وحقيبة يد وحقيبة سفر وعطر ومجموعة منتوجات استحمام ومساحيق تجميل وقطع ثوب لخياطة جلباب وقفطان ... –

+ الحليب والتمر والمكسرات والحناء والحلويات، هذا طبعا ما يتم في السر بحضور المقربين من العائلتين، وتتم الأمور بوجبة غداء أو عشاء ثم قراءة الفاتحة والسلام.

المرحلة الرابعة؛ أعني الخطوبة (الرسمية)، أجل؛ هذه خطوبة أخرى لإثارة الضجة، واستضافة الجيران والعائلة الكبرى والأصحاب، والحاضر يعلن الغائب فلااانة تمت خطبتها.. (علما أن الإشهار متعلق بخطوة الزواج)؛ هذه المرحلة تسمى عند المغاربة بالمْلاك، ومنهم من يفضل عقد قرانه خلالها ومن يؤجل ذلك أو يقدمه. 

هذه المرحلة تكون أشبه بالعرس من أي شيء آخر، أطعمة مختلفة وكثيرة حد التخمة، ألوان وبهرجة ورقص وغناء، منصة وستة وستون بذلة لفخامة العروسين، وساعات سهرٍ وإرهاق وإزعاج لكل الحي. والطريف فيها أن كل ما أهداه أهل العريس من هدايا يُردُّ لهم أو يحتفظون به لأجل هذه المناسبة، حيث يُعبأ جميعه في أطباق كبيرة جدا بترتيب حريص، ويُحمل على ظهر سيارات مفتوحة ظهورها على السماء، ويأتون به طوال الطريق وفي الشوارع مرفقات بالعزف والهتاف والتزمير، والأدهى والأمر أن تلك (الملابس الداخلية) وخصوصيات العروس كلها قابلة للنظر والتصوير من مختلف الأجناس والأطياف والفئات ^^. 

المرحلة الخامسة؛ الزفاااف؛ كل شيء فيه مرهق، كل شيء بلا استثناء، لا أبالغ أبدا تفضلوا بمعرفة المزيد من التفاصيل:

الزفاف عندنا هو عقوبة شاقة لكل الأطراف، ودعونا نبدأ بأهل العروس الذين لا بد وأن تذهب ابنتهم وتترك خلفها ديون عرسها الثقيلة، فقط حتى يقال أن ابنة فلان أو فلانة "دارت عرس مطرطق" وكرّمها أهلها، 

مهمة العروس؛ الزي الشمالي، والزي الهندي، والزي الفاسي، والزي الأمازيغي، والزي الصحراوي، والزي الإسكتلندي والنمساوي والبلجيكي والبرطقيزي... هـه الأمر يتعلق بمسألة تلبيس وتغيير مكياج وعرض أزياءٍ، الليلة بطولها حتى مطلع الفجر، ويتخلل ذلك حمل واهتزاز فوق هودج على أكتاف رجال أشداء، والعريس يمر من نفس الخندق، لكن بنسبة أقل بكثير، أما الحاضرون فسهر متواصل وطويل الأمد حتى ينتهي الاستعراض السخيف، وتفويت صلاة الصبح لأنهم حينها منشغلون بالهرج والمرج، وأكل الكثير من الأطعمة الغريبة حلوى وشاي، ثم كعك محلى وعصير، ثم مملحات، ثم الدجاج المحمر، ثم اللحم المجمر، ثم طارطة العروسين وتوديعهما في النهاية، هؤلاء الضيوف يفطرون باللحوم والشحوم عند الشروق لأن سيرورة العرض لا تسمح بغير ذلك.

وفي الصباح التالي الذي يبدأ فقط بعد منتصف اليوم عند الجميع، يكون العروسان منهكان، والمدعوون لا زالوا يتعافون من تداعيات عزيمة أمس.

مهلا؛ لم أنتهِ بعد؛ فبعد أن تم إرهاق وبهدلة العروسين تماما، يستيقظ الأهالي ويلحقون بهما مجددا تحت إيقاعات وأهازيج وطعام وشراب (مفيش خصوصية يا عالم، مفييش حرية) على حد تعبير إخواننا المصريين، فيفاجآنهما بغلضة وقلة ذوق قبل أن يدركا الارتياح من حرب الليلة الماضية  (ههه التقاليد). 

لقد قطعت جزءا أو بالأحرى مرحلة مهمة من هذه الأحجية عمدا، ألا وهي المهر أو الصداق (يتم التفاهم عنه خلال أو بعد الخطوبة الأولى)؛ والتي بسببها سميتُ العروس بقرة والزواج عملية بيع وشراء؛

ففي المغرب كلما كانت البقرة بِكرا وجميلة وعاملة وطباخة ماهرة ومتعلمة، كلما زاد الثمن، وزادت حدة المزايدات العلنية (قال أقلهن مهرا قال هـه)؛ ومعظم البيوت المغربية اليوم تحدد مستوى المهر الأدنى في عشرة آلاف درهم (دون القرى والفئة التي ما تزال تعيش تحت عتبة الفقر)، لا أود أن أصدم أحدا من القراء الأجانب عن الواقع المغربي، لكن المهر عندنا أهم من الخلق والدين، أهم من الصدق والمروءة، أهم من الإستقامة والرجولة، أهم من الصلاح والفلاح، فالغني المنحرف يهديه الله، ولكن الفقير المتعفف لا يرزقه الله.. ذلك أن عددا كبيرا من الزيجات لم تتم فقط بسبب الاختلاف حول المهور.

لا أود أن أزيد الطين بلة وأتحدث عن ملابسات الحرام التي تحصل خلال كل تلك المراحل؛ من اختلاط سافر، وزينة ورقص، وسُكر عند البعض، أما النساء فلا يقصرن إذ يتركن حجابهن كأن قاعة العرس بيت آبائهن ويبالغن في التبرج، والناس تفوت الصلوات بكل بساطة وتجمعها، وأحيانا تلغيها من الأساس لأنها على فَرَحٍ، والعروسان أيضا لا يسلمان مما سلف من خروقات للمبادئ والقيم، حتى أن البركة التي يطرحها الله عز وجل في البيوت حديثة التأسيس، لا تغرس بل تتبخر مع المعاصي الغزيرة.

لهذا أيها المجانين يتم الطلاق في الشهرين الأولين، لأنكم تجعلون من الزواج صفقة مصالح ومهرجانا استعراضيا، لا أحد يفكر فيما بعد الزواج إلا بعد أن يصطدم بالواقع المرير وحينما تمر أيام العسل فتصبح بصلا.

ليس هذا الجيل طائشا ولا يصلح للزواج، هذا الجيل أعمته المظاهر التي فطمتموه عليها، ونسي الجوهر والأصل في الزواج من مودة ورحمة وسكن وإعمار بيت يخدم الأمة ويشع النور منه وتحفه الملائكة، وتزينه المسرات ويسهم في تربية مواطنين صالحين من أجل وطن صالح.. لكن هيهات أن تعوا، هيهات ! 

الرسالة الأخيرة:

أيتها الأجيال المعطوبة؛ المغاربة ليسوا عازفين عن الزواج، المغاربة مكبلون بسخافتكم، دعوا الشباب يتزوجون دون تفاصيلٍ مجرد التفكير فيها يصيب المرء بالدوار، ولا تثقلوا كواهل أرباب البيوت القادمين بتكاليفكم المفرطة، يكفيهم غلاء الأسعار، والنظام الاستهلاكي المقيت، لا تربطوا المشانق حول رقاب أبناءكم، فكوا القيود ويسروا الحلال كي لا يسهل الحرام على هذا الرعيل.

اتقوا الله يوم لا تنفع تزاويقٌ ولا أعراس ولا تباهٍ ولا تشابه، اتركوا القطيع وسيتبعكم مع مرور الزمن.. اتركوا القطيع ولا تقطعوا آمالا كثيرة لتحيلوها آلاما وسهادا وصبابة وأفئدة حيرى، فالبيوت التي تبنى على ملايين الدراهم وتناطُحِ المظاهر لا يمكن أن تصمد طويلا ! فكوا الوثاق وبسِّطوا المعاني؛ إن الرب لن يغير ما بكم من سوء حتى تغيروا ما بأنفسكم.

وشكرا جزيلا لكل النماذج التي مازالت تحيا لكي تحيا وتترك أثرا، لا لكي يراها الناس، شكرا لكل المختلفين حول العالم، الذين يمدوننا بالنَّفَس الكافي للاستمرار.

أعلم أن هذا المقال أطول مما اعتدتم عليه مني، وها هي ذي نقطة أخيرة لختامه. 

لكنه أبدا لم ينتهي الكلام وستطول المسيرة أكثر، وستسمعون مثل هذا التغريد خارج أسرابكم كثيرا في الأيام المقبلة، وسأكون أنا الرقم الصعب في سجلات توثيق أدق جزيئات الأعراس المغربية التافهة

بعد 1159 حرفا أقول؛ هند بضاض، ولست فتاة ما، تحت مسمى ما، ورقم مجهول ما !