ارتعشت أناملي كثيرا قبل أن أهم بكتابة نص متراص متكامل الأركان، خشيت أن أسهو، أو أن أغفل أو أنسى، أو تُضلِّل دمعتي رؤيتي، فأزيد الطين بلة، وأقصر فوق التقصير، وأزيد وزر أمتي الكبرى التي عجزت أن ترد الإهانة وتكف الوقاحة عن خير من وُجد فيها، من وفّر دعوته، ليكون شفيعا فينا يوم تتقطع سبلنا، فينادي بصوت حنون، ويدعو الله بشجون.. ياربُّ أمتي، أمتي !

ظهرت شرارة حقدي على فرنسا منذ طفولتي، مذ وأنا تلميذة في صفوف السلك الابتدائي، كبذرة صغيرة نمت في فؤادي وأنا أفتح عيناي على آخرهما عند إدراكي للمجازر الدموية التي ارتكبتها فرنسا في حق شعب المغرب أثناء الاستعمار، وعن استنزافها لخيراته، وتضييقها على أهاليه.

كانت المعلمة توبخني لأني أرفض حفظ الحوار dialogue دائما، ولأني أفشل في فهم دروس conjugaison، لم يكن لدي مبرر مباشر يفسر كراهيتي للغة الفرنسية أمام أهلي أو زملائي أو المعلمين، علما أنني كنت من التلميذات النجيبات في كل المدرسة، ربما كان عقلي البسيط يوقن أن اللغة جزء لا يتجزء من الثقافة والهوية، ومن التبعية التي مانزال نعانيها ليومنا هذا.

وفي المقابل كنت أتفنن في حبي للغة العربية، وأهمل كل القصص الفرنسية التي يكلفني أبي بقراءتها وتلخيصها، بينما أتلذذ بالتهام الكتب والروايات العربية التي تفوق سني بكثير، فقد قرأت للمنفلوطي وطه حسين، وجبران وإيليا ورضوى ومي ودرويش ومطر والكيلاني وكثيرين وأنا لازلت طفلة.. كنت أكره أن أسمع مسؤولا عربيا يلقي خطابه في منبر إعلامي باللغة الفرنسية بدل العربية، وكنت أحزن حينما أرى مغاربة وعربا فرنسيين أكثر من الفرنسيين (أبناء فرنسا البررة). 

وقد كان حبي للغة العربية وانتمائي لآدابها كلها نكايةً في الفرنسية آنذاك، وكبرت.. وكبرت كراهيتي لفرنسا معي، فلم أحلم يوما في مراهقتي ببرج إيفل كأقراني بل كنت أخبرهم أني لن أذهب لفرنسا وإن عرضوا علي تذكرة مجانية، فيضحك رفاقي، وأزداد تشبثا بمبدئي ذاك.

وكلما كبرت سنة أظهر الله لي وجها مظلما جديدا من وجوه فرنسا، فقد عرفت عاما بعد عامٍ عن تقتيلها للملايين في الجزائر، واحتلالها الغاصب لتونس، وتنكيلها بسوريا ولبنان، وتحقيرها لأفريقيا كلها واستعمارها الممتد لبعض الدول حدّ الساعة.. عرفت أن فرنسا ترتع في مستعمراتها (السابقة بحرية) وتخنق الجاليات المسلمة بقوانينها الجائرة، فتارة تمنع الحجاب، وتارة تدين اللحى، وتارة تغلق المساجد، وتارة تسب وتستصغر ما استطاعت ولا تدخر جهدا.

هذه فرنسا اللئيمة دون مساحيق تجميل، نقرأ في كتب التاريخ فتفوح من صفحاتها روائح الدم والدخان، وأصوات العنصرية الساخرة، ونطل على اسمها اليوم فنجده في كل مظلمة حاضر، مساهم بحقد دفين في تفرقة المسلمين، في ثني عزائمهم، وسلبهم أراضيهم وحقوقهم، وفي تشريدهم وسفك دمائهم !

نرى علم فرنسا فنتذكر سايكس بيكو، نتذكر الحروب الصليبية، ونسمع اللغة الفرنسية في إداراتنا وعلى قنواتنا الرسمية فنوقن أنها ماتزال تحتل ما تبقى منا ومن بلادنا.

ليست المرة الأولى التي تسيء فيها فرنسا لأقدس مقدساتنا، وتتطاول على سيدِ أسيادنا .. ولكنني أشعر أنها المرة الأخيرة، فقد طفح الكيل، وتعب الناس، وانتفضوا، وفاضت دماؤهم من الضغط، وقرروا أن يوحدوا الكلمة هذه المرة، ويوحدوا العدو، ويوحدوا الوسيلة؛ فالمقاطعة خيارنا الحضاري السلمي الذي سيضرب الحية الجشعة في عقر مخزن أموالها، فتكسد تجارتها، وتجر ذيول الخسارة موقنة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام ما مات حين ترك خلفه أمة المليار. 

صلى عليك الله وسلم وبارك يا خير الورى 💙