لستُ بحاجةٍ إلى توضيحِ كوني ليست من أزهقت روحَ ابنها، وأجهضَت حقّه في الحياة، لأنني هي.

أنا الكاتبة التي تحب أن تتقمص كل الأدوار التي تكتب عنها بلا تحفظ، بلا تخوف، بلا تردد، أنا من تعشق أن تتلبس الجريمة وتترك خلفها الدلائل، أن تلعب دور الضحية دون دموعٍ على وجنتيها، لكن بدموع غزيرة على خديك أنت؛ أيها القارء(ة)..

أما قبل؛

فلا أمَّ تدفع بفلذةِ كبدها نحو حبلِ المشنقة، وفي الواقع قد تفعل في حالتين اثنتين؛ الأولى حينما تكون ناقصةَ عقلٍ، أو أمومة، أو إنسانية، والثانية حينما تكون مضطرة.. 

مضطرة ؟ لا عقلَ بشري يصدق هذا الهراء، لذا سأقول بدل ذلك حينما تكون "غبية"، يبدو الأمر أصدق هكذا أليس كذلك ؟

حسنا؛ أنا أمٌّ بلا رقمٍ، وجنيني مات قبل أن يحصل على هوية، هـه لم يمت، بل قتلتُه ؟

أما بعد؛

فأنا لست ممتهنةَ دعارة، ولا ضحية اغتصاب، ولا حتى ضحية حب (أقصد ضحية البغل مدعي الحب، الذي فعلها وهرب)، ولا أما أخطأت عمليةَ الحساب فحملت في رحمها طفلا غير مرغوب به ولا مقدورٍ عليه، أنا لست أيّا ممن جار عليهن الزمن ووجدن أنفسهن أمام فوهة بركانٍ يسمى الظروف الاجتماعية والنظرة الدونية ووصمة العار (التي وإن محاها الرب في دفاترنا لا يمحوها الزمن في سجل المجتمع)، وخلفَ وأدِ قطعة فنية من صنع الخالق، لا ذنب لها سوى أنني أمها التي لم تكمل واجبها البيولوجي حتى.. لست أيا منهن؛ أنا جميعهن !

في الحلقِ غصَّة؛

في الصدر ذبحة، في الروح طعنة، في القلب جرحٌ غائر لن يندمل، لا أحد مخطئ سواي، فأنا جميعهن، نعم؛ أنا الجانية في كل حالاتي وتلك الروح الضحية.

أترون كم طغيت ؟ لم أمنحها ولا فرصةً لتملك اسما أتذكرها به قبل أن تغادر، لا شيء يشفع لي، لا شيء يغفر ما اقترفت، لا شيء يُنسي خطيئتي أني أنا التي فعلت.

هل ظننتم أنني أحيا بسلمٍ بعد أن لوثتُ يديَّ بدماءٍ طرية ؟ هل حسبتم أنني أنسى وأحيا مثلما يحيا الجميع ؟ هل تساءلتم مساء يومٍ كيف أنام أنا، وما طقوسي قبل أن تتلقفني أمواجُ الكوابيس الليلية ؟

لا تساءلتم يوماً؛ ولا تتساءلوا أبدا، ولا تُكدِّروا يا سادتي صفاءَ أذهانكم بتُرَّهاتي، فلأنني لم أزرع ثمارا طيبةً ها أنا ذي أحصد الآن أشواكاً، لأنّي لم أستحضر أنني إنسانةٌ تحظى بعقلٍ قبل أن تحظى بتشابه فطريٍّ مع الحيوانات البرية، لأنني ولأنني أتسرع دائما، لكنني هذه المرة كنتُ القاتلةَ حينما اندفعت ولم أتصرف برَوِيّة.

لكن، أتعلمون أمراً ؟ لم يكن ذلك الملاك الطاهرُ يستحق أن يبقى منبوذا بلا صحبٍ ولا أهلٍ ولا جيران، لم يستحق أن يطلق عليه ابن زنى، ابن حرام، أو لقيط.. هذه كلماتٌ سامةٌ جدا والطفل لا يقوى، ما يزال صغيرا، وليس عليه أن يزر وزر أمِّه وأبيه، لذا تخلصت منه على هذا النحو الشَّنيع، وخلصته تماما من كل هذا الوصم الاجتماعي المتوحش.

وأنا؟ أنا لم أكن أستحقُّ أن أكون أماً بعد كلِّ ما فعلت، فقد كنت أعلم أنني سأكون أنا الآن إن فعلتها، لم يكن أي شيء من حولي يسمح بذلك نهائيا، لا العادات والتقاليد، ولا الدين الذي أدينُ بهِ، ولا منظومة الأخلاق، ولا مراقبٌ يدعى الضمير، ولا حتى الحبّ.. لا شيء كان سيرغب بذلك الجنين المُجهَض، لكنني فعلتها.

كنت أعلم أنني بغض النظر عن كون أبيه مجهولا أو معلوما، سأحترق وسأكتوي بألسنة الناس من كل حدب وصوب، وبغض النظر عن أبيه إن اعترف بأبوته وواجه الطوفان معي أو هرب فالنتيجة واحدة، والخطأ لا يصير صوابا بمساحيق التجميل، أو الأقمشة المرقعة..

أريد أن أخبركم أيضا؛ أنه لا ذنب للحبِّ، ولا للفقر، ولا للجهل، ولا للكفر، ولا للطيش، ولا للعهرِ في ذلك، لكنه ذنبي أنا، وأحمله على كتفيّ طول العمر، لعلي حينما أبلغ ساعتي أرتاح منه وينزاح، وتشفع لي الآلام والحمى والسهر وطولُ العذاب !

والآن يا كلَّ الهزائم التي تسكنني، وكل الندوب، ويا أبشع الذكريات؛ أخبريهم أن الطائرَ الحُرَّ الذي دفنتُ بريء، وأنا وحدي المذنبة..

كان بودي أن يسامحني الله الذي ربما لا أحد سواه اطلع على جريمتي، وربما يعرف أيضا طبيب أعماه الجشع، أو أم مجنونة، صديقة متهورة، وربما والده الأحمق .. كان بودي أيضا أن أسامح نفسي وأكف عن ممارسة دور الجلاد لأنني تعبت؛ لكنّني أزهقتُ روحاً، ولم أعد أملكُ اليومَ من أمري شيئا سوى عذاب الضمير !