لقد سرق أبي مني الله!

صادفت كتاب محتواه خفيف وجيد للكاتب والطبيب المصري "عماد رشاد عثمان" بعنوان (أبي الذي أكره - تأملات حول التعافي من إساءات الأبوين وصدمات النشأة). يتناول الكتاب الجانب المأساوي من عملية التنشئة، والتي يغفلها الكثير من الآباء والأمهات. وذلك عن طريق حكايات تُحكى من هُنا وهناك، يعبر فيها أصحابها عن تأثرهم بالنشأة غير الصحيحة.

توقفت عند قصة لشاب يروي فيها مدى تأثره السلبي بوالده "الشيخ" واسلوبه في التربية الذي كان سببًا في وضع حاجز بينه وبين الله!.

لقد صورها بشكل ممتاز، حيث أنها تجيب عن عدد من التساؤلات أبرزها.. لماذا يتم الهجوم بالسب والشتم على المقدسات الدينية من قِبل البعض عوضًا عن التفكر والتفنيد والنقاش؟!.

تلقيت الدين من أبي؛ أبي الشيخ العلامة، المنظور من الجموع، المسؤول عن رعيته ونجاتهم، المهووس بالأحوط دومًا، والذي يعالج الأسئلة بقمع غريزة التساؤل!

وقد أصابتني ربكة عظيمة في تصوري عن الله، لم تستطع دروس العقيدة أن تشفيها. وجدتُ أنني في النهاية أستمدها بشكل نفسي لا بشكل روحي من تصوري عن أبي وتقلباته العنيفة في معاملتي.

فأحيانًا أرى الله كقوة سارية في الكون غير منفصلة عنه، كنسيج يحكم بنية الكون. وأحيانًا أخرى أرى أن الله هو قوة منفصلة عن الكون، وحشية، متأهبة دومًا للإنتقام مني.. أحيانًا أراه قوة رحيمة معتنية لها خطة في حياتي، خطة تقتضي الأصلح لي دومًا، حين أراه حنونًا محبًا للبشر، ويحبني بشكل مخصوص حبًا غير مشروط، ويهتم لأمري، ويكترث باحتياجاتي.

وأحيانًا أرى الله ككيان قاس للغاية أو أقرب للسادية، لا يحب سوى من كانوا بالمواصفات القياسية، ومَن كانوا تمامًا على المقاس مما يطلبه.

لقد سرق أبي مني الله! حين بالغ في تنزيهه حتى فصله عني طفلًا لم أفهمه. وأفرط في تعداد وصاياه حتى عزله في بقعة لا يصل إليها أحد، وتوسع في التخويف منه حتى امتلأت المسالك نحوه بأشواك الذنب واللوم، فصرت أرى نفسي في عينه مقصرًا وغير جدير بمحبته ولا مستحق لقربه...

لم أكن أملك حق الحديث عن الله، فهو حق مكفول فقط لذوي الحظوة من سدنة الصنم المنحوت معنويًا له وعلى رأسهم أبي. أصبح الحديث عن الله منطقة محظورة يمنع دخولها لغير العاملين! سرق مني أبي الحق في التساؤل، والحق في التشك، والحق في الحيرة، والحق في التوهة.

فماذا أفعل في توهتي وحيرتي وشكوكي، وأين أذهب بها إن كان الرب يضيق بالمتشككين؟!

كنت أمضغ غربتي بين صنوف عدة ممن حولنا من مريدي أبي وتلاميذه وإخوانه من أهل اليقين المطلق، والإيمان القويم، والإعتقاد الصافي من الدَخن! أواري تساؤلاتي وأمارس الشك في إبحار مستخفٍ على الإنترنت لدى أولئك الذين يمتلكون من الشجاعة ما يكفي ليجاهروا بتوهتهم البشرية!

ثم أشارك أبي في صَلبهم ولعنهم بالعلن!

كنت أتعمد أن أعرف عمن يصمهم بوصمات (الضال المضل)، ومَن يكتب عنهم تحذير من ضلالات (فلان)، ومَن يشنع بهم على المنبر ويصفهم بالمبتدعة والزنادقة والمارقين، فأدلف إلى عالمي السري لأتابع حكاياهم، وخروجهم عن المألوف.

لقد كانوا يمثلون لي الخروج عن سطوة أبي، فصاروا جميعًا أبطالي! لم أستطع يومًا أن اصير ملائمًا للمواصفات القياسية لأبي الذي يوهمني بأنه يعمل وكيلًا حصريًا للرب على الأرض؛ لم نستطع استرضاء الرعاة الرسميين للحقيقة الكونية!