كُتِبَ المقال في ١٦ فبراير ٢٠٢١


كلّ مرةٍ أستذكر حياتيَ السابِقة ، يطرقُ الحنينُ بابَ صدري و يمسكُ بمخالبهِ الناعمة قلبيَ ليرديهِ ممزّقاً ، يحرقه و يلعقُ إصابِعه بعدَها ..
مشتاقٌ مشتاقٌ مشتاق .. لكلّ شيءٍ مضى ، للرياحِ التي كانَت تهبّ و تلفح وجهي على شرفتي مع بداياتِ الخريف ، للشمسِ التي كانت تلمسُ صفحةَ وجهيَ صباحاً .. و تسمّرها صيفاً ، أشتاقُ نفسيَ القديمة و أطالع تفاصيلي السابقة بنهمٍ مخمور ..
لستُ أدري ما سببُ ألمِ الذكريات و ما دافع الأشواق أو لماذا وُجِدَت حتى .. للالهةِ حُكماً رأيٌ بوجودِها ..
كلّ يومٍ قبلَ أن أخلُد لنومي أتنزه .. ببراءةٍ صبيانيّةٍ أتنزه .. في الذاكرةِ أمضي وقتي و أسلكُ دروبَها العديدة تلكَ التي أحفظها عن ظهرِ لوعة ، أحفظها و اتقنُ استِذكارها .. 
يومها كانَ لكلّ شيءٍ معنى .. لكلّ شيءٍ سببْ .. أمّا اليوم فأنا أجدفُ تائِهاً .. بيدٍ واحدةٍ أُجدف ، أضعُ قنديلي قربي .. و لكنّه لايضيءُ سمائي .. لا يضيئُها رغمَ قُربِها !!..
وجوهٌ و أسماءٌ و اصواتٌ تتعالى .. بينَ طيّاتِ موجِ بحرِ الغربة .. و دموعي تعرف طريقَها دوماً .. أجدفُ حائِراً و اتوهُ عن دربي ..
و كلّ خطوةِ اقتراب تجاهَها تبتعد عني تلكَ الأياام و تتركُ يديَ ممدودةً وحيدة .. كطفلٍ فارقَ أمه لحظةَ تكوينِه ..
كلّ خطوةِ اقتراب تقابلها خطواتُ فِرار ، تمسكُ أزمنتي أطرافَ أثوابِها و تركضُ بحمّى هستيرية ..
انده لها لا تسمعني .. و تغلقُ أذناها ، تراني و لا تبصرني .. و تغلقُ عيناها ..
تنبثق أمامي كلقطةٍ ضوئيةٍ مسرعة ، و عندما أسلكُ طرقاً ملتويةً للّحاقِ بها تخونُني قدماي ..
يا لهذا القدر الذي يخبئ لنا ما لا نعرفُه .. أين سيطفو مينائي و هل سأنالُ يوماً ما أصبو إليه ، أم هل مكانيَ دوماً في قاربٍ .. ضائِعاً كرعشة و حزيناً كصخرة ، أنكوي وسطَ عاصفةِ شوقٍ تعصف بتهورٍ أزلي ..
وحيداً مساءاً و الشوقُ يبللُ قاعَ عظامي و ترتجف مشاعري بثيابِها الارستقراطية ، فأسرقُ من عمري أياماً .. و أضمّها لبعضها البعض و أزيّنُ بِها نوافذَ غربتي ، و بجوارِ نافذةٍ اجلسُ و اراقب ثلوجاً تهطل .. و في قلبي دمعٌ يهطل ، و اكتبُ ما اكتبه بهدوءٍ ليلي ، و صوتُها يكسر زجاجَ عينيَّ منشِداً : 
" مافي حدا لا تندهي مافي حدا "