كُتِبَ المَقال في أواخر ديسمبر الماضي .. 


2020 تعود الأرقام المتطابقة لتشغلَ حيّز تفكيري و اهتمامي ، و تجعلني أجدفُ حائراً في بحرِ الكلمات .. متفائلٌ نعم متشائمٌ لا ، فالتطابقُ يأثِرني ، و يمضي بي خيالاً تستحيلُ خيوطهُ مرمراً ..
أستعينُ بالحكمةِ و أنا أجلسُ بين زوايا ديسمبر ، أحتسي خمري و أروي لنفسيَ ما مرّ بي من تجاربٍ أدماني نصلُها ، و أخرى أومى لي بالأملِ بريقُها ..
أعدّ من دخلَ حياتي و أشخط من خرجَ منها ، و لا ألتفتُ للوراءِ أبداً فالعمر لحظة .. 
أقفُ على سهولِ الذاكِرة و أكتمُ حزنيَ ، و الحِبر يهطلُ عليّ مطراً / عذباً / ، ألمّعُ سمائيَ الفارِغة من قمرِها و أشنقُ كلمةَ لو من معجمي و أتخذ من جملةِ " لا للتراجع " هدفاً أنصبهُ بين عيني ..
أستذكر سنتي المكتظة بالأيام و كأنها شريطٌ سينمائي يدور أماميَ بميكانيكيةٍ عالية لا يقفُ أبداً عندَ يوم ، أستذكر الحفرَ و القِمم و لكأنّ الحياةَ قطارٌ بِلا محطاتٍ و لا صافراتٍ تعلنُ انتهاءَ رِحلة ..
أشتاقُ الكتابةَ بشدة و القراءةَ أكثر ، و حينَ أفتح ما كتبت تتقاذفُ الكلمات في مخيلتي فأكتِمها ،و مهما تنافسَت الاستعاراتُ المكنيّة أمامَ ناظِري أوئِدها ، فما نفع أن نكتبَ جِراجنا و آمالنا ؟.. ما نفع أن نكتبَ كلماتٍ متقنةِ التعبير في حينِ يخوننا التعبير أمامَ من نحِب ، ما نفع أن نتحدثَ عن السلامِ و أراضينا محتلة ، أو نتحدثَ عن الأمان و جِراحنا مبتلة ، ما نفع أن نكتبَ في زمنٍ أصبحَ فيه التاريخ يحرّفُ أمامَ أعيننا و ما من رقيبٍ على كتبِ التاريخ و وحدها الأعمالُ الأدبية و المتلفزة تملكُ رقيباً ، فبالله كيفَ نلوذُ بالفرارِ بمشاعرنا و كيفَ نخلقُ أدباً خالداً في ظلّ عصرٍ يخونُ فيهِ حتى القَلم ..
و حدثَ اليوم أن أقولَ ما يجول بخاطري و أكتبَهُ ، و لو فتحتُ ورقتي بعد هذهِ اللحظة بلحظة لما استطعت ان اكتبَ شيئاً .. 
أقولُ بعد تفكيرٍ طويلٍ إنّ جعبتي مليئةٌ بعتب و مليئةٌ بتعبٍ و خوف ، لطالما كانَ التصوير عنديَ هواية ، فلم الآنَ أخافه ؟!.. و لطالما كانَت الكِتابةُ عنديَ عادة ، فلمَ الآن أخافُها ..
صوتُ القيثارةٍ عادتي مساءً يؤنسُ وحدتي و يؤسّسها ، فلمَ أخافُ انتهاءَ أغنية ، و لم أخافُ أن تفرغَ الزجاجة أو أن ينشفَ قلم ؟!..
كلّ يوم تعود المطالب بألا أتوقفَ عن ممارسةِ الحرف من جديد تطوفُ حولَ اذني و تخرقُ دائِرتي الصغيرة ، و أنا وصلتُ لمرحلةٍ أخشى بها أن اكتبَ حرفاً كي لا أستنزفَ اللغةَ أكثر أو أن يغتالني التعبير و هو يفتحُ نوافذَ الخيبةِ أمامي ..
و كلّ يومٍ تعود الذاكِرة لتستعمر أراضي البالِ المحتلة ، و تفرضَ أسلاكها الشائِكة في تفاصيلِ يومي دونَ وجودِ معبرٍ واحد .. 
كلّ شيءٍ يذكر بشيء ، كل تفصيلٍ يربِطكَ بتفصيل آخر ، و نحنُ المنعمونَ بالنسيان تغتالنا الذاكِرة على حينِ لهفة ، يرهِقنا تزامنُ الأحداث و تأكل منّا عمراً و تشرب ، و نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمامَ مرآةٍ تعرفُ زوايانا المظلِمة فتظهرها ببلاهةٍ متورمةٍ بالخبث ، ثم تحفظ عن ظهرِ عادة خيباتَنا لتضعها أمامَنا على رأسِ كل سنة و بتمام كلّ ساعة ..
حين كنت طفلاً كان سؤال " إلى أين " يراودني دوماً و يشعلُ فتائِله في ديناميتِ الرأس ، و حينَ كبرت و أصبحتُ مدركاً لما حولي أصبحتُ أتداولُ أوراقَ اللامبالاةِ بالوجهة جواباً ، كلّ ما أكترثُ له هو أن أمضيَ بأقل قدرٍ من الندوب ، هذا ما تعلمته فلا لومَ على مجرّب ، ولا لوم على من يكتبُ ما عاشه ..
أغلقُ أوراقي و أستعدّ لآخرِ أيامِ السنة بدفءٍ و دونَ أجوبة فالآن كلّ ما احتاجُه أن أنصتَ لعقاربِ الساعة ..
تلكَ السطور السابقة لا معنى لها تحتَ الماء .. و لا فوقَه أيضاً .. ليست إلا محضَ صدفةٍ اشتعلت بين دفتي رأسي .. و صُدفةٌ وجدت ورقةً لأدونها بسرعةٍ قبل أن تذوبَ و ترحلَ هباءً ..
لا تثق بها .. و لا تأخذها إلا على محملِ الحِبر ..


                    - انتهت -


مسودة العناوين التي كنت أود وضعها فوق المقال .. العناوين مرتبة وفقاً لتاريخ ورودها فوق السطور .
أنا و ديسمبر
ديسمبر يعانق القلم
ديسمبر آخر يعود و يرحل
اللحظة تمسك القلم و ديسمبر آخر يمضي 
هواجس ديسمبر
ديسمبر يرتدي معطف السفر و أنا أكتب 
زوايا من ديسمبر
ديسمبر .. وداعاً ! 
ديسمبر آخر يغلق الباب خلفه