كُتِبَ النَص ليلة ٢٤ / ٣ / ٢٠٢١


ذكرياتٌ تطاردني في اليومِ الموافقِ ليومِ مولدي ، أهربُ منها فتتبعني .. أتفاداها فتنقضّ شباكَها على أسماكِ معاصِميّ و تستدرجني لورقةِ كِتابة ، تجعلني أغوصُ في زوايا اللغة و استخرجُ كلماتٍ و ألفاظٍ .. أنا ذاتي أعجبُ لها ، لا تلبثُ أن تلمع في ذهنيَ ثوانٍ لتختفي من جديدٍ بعدها ، أركضُ خلفَ تعابيري لاهثا مهدوداً .. حائراً مشدوداً .. و حذاءُ القدرِ يعرف خطوتهُ التالية دوماً .

يا لسخريةِ الآلهة .. أقضي ليلتي مع أناسٍ لا يعلَمون عنها شيئاً .. و من يدركُ أهميّتها عندي ألفُ جبلٍ و بحر ينتصبُ بيننا .. ترقصُ أمامَ مسرح عيني الحجري أمانٍ و كلماتٍ تقتلني براءتُها .. و عذوبَتها تجرح !!..
مشتاقٌ لما مضى و أذرفُ دمعي حبراً ، و الورقُ منديلٌ لا يكفّ عن امتصاصِ الدموع .. و رشقها أمامي .
اخترتُ طريقي بتصميمٍ واثقٍ يمشي كبندولِ ساعةٍ أجل .. و تحاملتُ على نفسي و تجاهلتها .. و تناسيتُ أنه لا بد أن أصلَ لنقطةٍ يطوف بعدها النبعُ و يغمرُ كلّ ما حولهُ من قرى ، و اليومُ كانَ الطوفان دمعي و كانت مشاعري كلّ قرية .. و مع ذلكَ لا زلتُ حتى اللحظة أكافح .. ك " آخيليس" أكافح .. و ما من طروادةٍ وقفت امامي إلا و حطمتُ أحصنتها .. و كنت على أنقاضها " هوميروس " ..
قد كان الله كريماً معي دوماً و أغنى بحيرة مباهجي و لا زال و نجاني مرات كثيرة من الشرير و لا زال .. له أنا ممتن .
و الحبر أيضاً .. لطالما حملني فوق راحات سطوره .. و أخذني بجولةٍ بحريةٍ بين الكلمات .. له أنا ممتن .
عائلتي التي ذرفت دموعَها يوماً بسببي و لازالوا .. لهم أنا ممتن .
لأصدقائي الذينَ قلّ عددهم يوماً بعد يوم .. و خيبةً بعد أخرى .. للراحلين منهم و الباقين .. لهم أنا ممتن .
لنفسي .. تلكَ التي بقيت وحدها دهراً و بأعجوبةٍ نجت .. لها أنا ممتن .
لكل ذلكَ و ذاك أنا ممتن ، عسى أن اكونَ في السنةِ المقبلةِ ما أريد ، و عسى أن أقفَ على تمامِ ساعةِ الفرح و أكسر عقاربها لمنعِها من المضيّ ، أعود لواقعي و أكتبُ لمعايداتٍ باهتة ردوداً لا أعني نصفَها .. أكتبها للباقةِ لغويةٍ بحتة ، و بعد ذلك أضع في قاع البالِ صخرةً فأوقفَ التدفّق الحبري ، و أضعَ حداً لهذا النص الشاهدَ على ليلتي هذه ..
في الحياةِ دائماً مراحلٌ تعصفُ بكَ لياليها ، و تدفعكَ إلى التخلي عن بعض عاداتك إن لم يكن كلها و استبدالها بأخرى مختلفةً عنك ، و أنا أمر بهذه المراحل الآن .. و لو سألتني عن أمنيتي اليوم .. ستكون أن أروي ما مررت به لكلّ أذن .. و أن يسمعَ صوتَ حروفي كلّ أصم ..
أن يصرخ الحبر في عروقي و تصدحَ القوافي في مذكراتي فتخلق قوافلاً ستمشي على حدودِ الزمان و تقول بأن هناك من جاعَ يوماً للحنان فنطقت لتواسيهِ حروفه ..



كُتبَ النص في الليلة الموافقة لعيدِ مولدي الثامنِ و العشرين .. وحيداً كنتُ حينها .. سريّاً حتى الشوق و منسيّاً حتى الوجع ..