كلما اشتقت لنفسي لدعباتها السخيفة و ضحكتها و أسئلتها التي لا تنتهي و خيلتها ، أجد نفسي ذاهب للقاء صديقي في مكاننا المعتاد فوق جبل يطل على مساحة كبيرة من المراعي الزراعية و في المنتصف غابة صغيرة من شجر الصفصاف ، و واد يأكل من تربة الغابة و المراعي، في الضفة الاخرى من الوادي قصر عتيق مبني بالتراب و القش يطلق عليه قصر تشاويت .
الجبل مقبرة لا أعلم باسمها لكن هنا التقي بصديقي الميت منذ عامين على حافة الجبل، موعدنا دائما قبيل غروب الشمس بقليل .
نستمتع بمشاهدة الشمس و هي تختفي وراء الجبل الذي أمامنا بمنظر يبعث السكينة ، و تطلق أشعتها الذهبية للسماء كأنها تتشبث بها لتبقى مدة أطول ،و أغنية أم كلثوم "الاطلال".
لما يسمع المقطع الذي يعجبه يعرف بأني هنا انتظره.
"يا حبيبا زرت يوما أيكه طائر الشوق أغني ألمي"
-أتيت مبكرا اليوم
و أنا أنظر له بابتسامة عريضة ، أحسست بأني أسترجع نفسي . قلت له
- أن تكون ميتا لا يعني أنك ستستريح مني.
رد ضاحكا
-فعلا فأنا لم أعد أشعر بأني ميت .
نديته للجلوس للتأمل الغروب و بدأ يدندن مع الاغنية
قال و هو يحملق بالغروب كأنه شارد الذهن ينظر لشيء ما
-أظن هذا ما أفتقده في العالم الأخر ، الموسيقى.
سألته مستغربا
-كيف لا توجد موسيقى هناك!!؟ أليس أم كلثوم ميتة كيف لم تلتقيها ؟ههه أم أنك لم تبحث عنها قط ههه
نظر إلي ببطئ قائلا
-سخرياتك السخيفة لا تنتهي أبدا .
ضحكت لهذه الدعابة الساخرة و أنا أنظر للغروب و قلت له
-دائما ما أريد سؤالك
قال كأنه يعلم ما أرمي إليه
-إسأل
-ماذا يوجد في ذلك العالم حديثني عنه !.
قال والابتسامة لا تفارقه من عينيه
-لن أخبرك عما نعيشه هناك .لما تموت سوف تعلم .فصبرا جميلا.
-صحيح،إذن لو خيروك أن تعود للحياة فهل ستعود؟
سألني بدوره
-لو خيروك أنت أن تموت الان فهل ستقبل؟
استغرقت مدة في التفكير فقلت له
-إذا كان المجهول هو ما يخيفنا في الموت فنحن نعيشه في الحياة . فالمستقبل مجهول و لانعلم عنه شيئا.أما إذا كان ما يخيفنا هو العذاب و الألم فهو موجود أيضا فالحياة مليئة بشتى العذاب و الألم .
أضفت
الموت توأم الحياة إذن لا فرق عندي أن أموت الآن.
قال موافقا
-هذا هو رأي أيضا لكن الفرق أني سأختار الموت على الحياة و لن أعود.حياتي عشتها و أريد أن أعيش موتي ،فالحياة ميتة منذ زمن بعيد.
خيم الليل و بقينا صامتين الموسيقى انتهت منذ مدة لا نسمع سوى صوت الرياح و صوت أفكارنا أو بالاحرى أفكاري ، فمنذ أن مات صديقي و أنا لا أعرف في ماذا يفكر و ماذا يعيش . كيف حاله هناك .
كسرت الصمت قائلا
-آه كم أحب الموتى فهم هادئين ، لا تخاف أن يضروك بشيء و لا تنتظر منهم شيئا و لا ينتظرون منك شيء سوى الدعوات.
أضفت
أغدا ألقاك؟
-إذا أتيت سنلتقي فأنا دائما موجود هنا ،تذكر أن مايقع هنا هو من نسج خيالك .
-نعم أعلم إني لم أشرب دوائي اليوم ،رغم أني أراك و أتحدث معك و أحس بوجودك أعلم أنه خيالي فقط .فأنت ميت منذ مدة و الموتى لايتكلمون و لا يعودون للحياة.
فمسح على رأسي و قام ذاهبا
و قلت له
-أحبك يا صديقي
-أعلم ذلك
فإبتسم لي و هم مغادرا .

بقلم الياس ازكاغ