يَنْبُتُ التغيير من القاع، يبدأ مع فكرة غرستها الأيام العسيرة والاوضاع المتأزمة في وجدان طفلٍ بسيطٍ من عامة الناس، تصبح قرينة له وتكبر معه، ويستعملها كحاسة سادسة يتفاعل بها مع محيطه، وبِهِدايةٍ من اللَّه تُرشده إلى ما ينبغي أن يكون وما ينبغي أن لايكون عليه العالم من حوله، وتتجسد هذه الفكرة لأفعالٍ في الواقع عندما يدرك ذلك الطفل، الذي أصبح الشاباً، أنه سيشيخُ ويموتُ ويدفنُ يوماً ما، وسيعيش ابنه نفس الألم والمعاناة التي عاشها إن لم يغييِّر شيءاً في حياته.

ومع أول خطوة يخطوها في درب التغيير والاصلاح يشعر بوجود الرِّفاق، رفاقٌ تجرعوا نفس الألم، وشربوا من نفس كأس البؤس، فيعلم أنه لا يحارب لوحده، فتزيد ثقته بنفسه، ويزيد شعوره بانتمائه.

ويشعر بوجود نفوس طيبة تدعمه وتراقبه من وراء الستار، تلك النفوس المقهورة التي لم تجد ما تقدمه غير تلك النظرات المتعاطفة. ويُحس في الجهة المقابلة بوجود نظراتٍ متربصةٍ لنفوسٍ مريضةٍ كأنها تنتظر الوقت المناسب للإنقضاض، لكن وبجود هذه الأخيرة يتحقق التوازن، ذلك التوازن الأبدي الذي يتميز به هذا الكون، فبسبب تحامل ذوي النيات السيئة يعلم صاحب الحق أنه على حق، ويراقب كل واحد خطواته أن تزل، ويصحح مساره إن مال.

ﺃﻋﺪﺍﺋﻲ ﻟﻬﻢ ﻓﻀﻞ ﻋﻠﻲ ﻭﻣﻨﺔ ..................ﻓﻼ ﺃﻋﺪﻡ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻲ ﺍﻷﻋﺎﺩﻳﺎ

ﻫﻢ ﺑﺤﺜﻮﺍﻋﻦ ﺯﻟﺘﻲ ﻓﺎﺟﺘﻨﺒﺘﻬﺎ ..................ﻭﻫﻢ ﻧﺎﻓﺴﻮﻧﻲ ﻓﺎﻛﺘﺴﺒﺖ ﺍﻟﻤﻌﺎليا

أما تغيير حال الأمم فيبدأ بتغيير دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، تغيير نفسه وعقله وسلوكه، وهو تغيير يسبق ويصاحب التغيير السياسي الاجتماعي، وهنا تُلقى المسؤولية على كل واحد منا لإصلاح ذاته وإصلاح رعيته، والقاعدة الربانية تقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وكما قال الرسول "صلى الله عليه وسلم" : (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ).

والأمل يكبر مع كل جيل جديد، فوسائل العلم والمعرفة لم تعد حكراً على جهةٍ معينةٍ تُمسك برقابنا، بل أصبحت بين أيدي العامة من الناس من خلال شاشات الهواتف والحواسيب، ولم يعد هناك حاجزٌ أو عُذرٌ يحول دون تشغيل محَرِّكِ المعرفة والبحث وتحصيل العلم لنُسرع نحو النهوض بالأمة. وإذا نظرت من حولك بعين إجابية يملؤها الأمل ستجد أننا قد بدأنا نتحرك بالفعل، والمطلوب منا جميعا هو المشاركة في إعادة بناء الحضارة والإلتحاق بركب الأمم المتقدمة.