طغت مؤخرا على ثقافتنا الاستهلاكية حمى شراء الجديد و المزيد من كل شيء، حتى بتنا ندخل المتجر لشراء غرض واحد فنخرج محملين بأكياس لا حصر لها.

سيطرت علينا ثقافة الامتلاك و التكديس فأصبحنا نقبل على شراء كل ما نعجب به، و في كل مرة يتولد لدينا شعور بالرغبة في المزيد فندخل في حلقة مفرغة، بالضبط كما يحدث للجسم عند تناول السكر الأبيض، حيث يفرز الأنسولين الذي يسبب هبوط نسبة السكر في الدم و بالتالي الرغبة في تناوله من جديد...

ما يحدث حقا هو أننا نسعى لملإ الفراغ الذي نحس به بأشياء مادية فوق حاجتنا متوهمين انها ستجلب لنا الراحة، بينما لا نجني منها إلا المزيد من الفوضى و عدم الشعور بالاكتفاء؛ فالهاتف الذي سنشتريه اليوم غدا سيأتي إصدار أفضل منه، و قطعة الملابس التي ستبهرنا اليوم بواجهة عرض متجر ستحل غدا محلها أخرى من التشكيلة الجديدة تطفئ إعجابنا بها، و هكذا...

و قد زادت من هذه الحدة سيطرة الرأسمالية المتوحشة على اقتصاد العالم، حيث دفعت الرغبة في التطور المستمر للأرباح الشركات للسعي بكل الوسائل حتى و لو كانت لا أخلاقية إلى تشجيع الناس على الاستهلاك بدون حاجة، و إقناعهم عبر أساليب إعلانية مبهرة بأنك إن لم تشتر منتجاتهم سيفوتك الكثير. و ساهمت في هذا أيضا الثورة التكنولوجية التي قربت البعيد و فتحت أعين الجميع على مستويات من الثراء و البذخ لا يجدها الإنسان بالضرورة في واقعه، فيسعى بكل الوسائل إلى بلوغها سواء عن طريق اللجوء للاقتراض أو شراء منتجات مقلدة تشبه الأصلية في الشكل لا الجودة، فقط لإثارة إعجاب الناس أو تجنب نقدهم.

بدأ الكثير من الناس مؤخرا يعون بهذا المنحى الاستهلاكي الذي اتخذته حياتنا و الذي نأى بها عن السعادة و الاستمتاع فنشأت حركة "المينيماليزم" أو ما يعرف بالتقليل أو تبسيط الحياة، كفلسفة حياة تعتمد على التبسيط بالتخلص من الفوضى و امتلاك أقل عدد ممكن من الأشياء، و بالتالي التحرر من ثقافة الاستهلاك و الامتلاك و من كثرة النفقات و تكديس الأشياء دون معنى.

و تجدر الإشارة إلى أن مصطلح " المينيماليزم" مشتق من حركة فنية من المدرسة التجريدية ظهرت في ستينيات القرن الماضي، و تميزت باستخدام أقل العناصر و الألوان الممكنة مع حذف التفاصيل الإضافية غير المفيدة، و ما يزال يستخدم حتى الآن في مجالات العمارة و الديكور.

"ريان نيكوديموس" و "جوشوا فييلدز ميلبورن" أمريكيان كانا يمتلكان في عمر الثلاثين ما يسمى بحلم الأمريكيين: بيت كبير و سيارة فخمة و وظيفة مرموقة تدر عليهم مئات الآلاف من الدولارات، لكن رغم كل هذا لم يشعرا بالرضا و السعادة. كانا يعملان من سبعين إلى ثمانين ساعة أسبوعيا من أجل شراء المزيد من الأشياء لتعبئة الفراغ و القلق اللذان كانا يشعران به، حتى لم تعد لديهما قدرة على السيطرة على وقتيهما و التحكم في حياتهما الخاصة.

في سنة 2010، قررا تطبيق مبدإ المينيماليزم للتركيز على الأشياء المهمة، ثم في 2011 تخليا عن حياتهما المهنية و نشرا أول كتاب لهما بعنوان "مينيماليزم – عش حياة هادفة"، و توجها للتعريف بالفكرة عن طريق منصات كبيرة كمنصة تيد، بالإضافة إلى دروس عن بعد و جلسات توجيهية خاصة.

لنظام المينيماليزم فوائد عديدة منها:

- التقليل من الضغط العصبي و النفسي.

- الادخار و رفع مستوى المعيشة.

- وضوح الرؤية.

- التركيز على الأشياء المهمة.

- قدرة أكبر على الإنجاز.

- سعادة و استمتاع أكثر بالحياة.

و نلمس هذا جليا في الفرق بين جودة حياتنا في الماضي مع ما هي عليها الآن (عن جيل

ما قبل الألفين أتحدث). كما أن الظروف الحالية التي نمر بها الآن من حجر صحي و تقنين للتحركات جعلتنا نتخلى عن الكثير من الأشياء التي كنا نعتبرها مسألة حياة أو موت، فاكتشفنا أنه يمكننا أن نعيش دون التردد على المطاعم، و دون أن نجوب المحلات التجارية لنخرج محملين بكميات من الملابس تظل مخزنة في الدواليب أكثر مما تمس أجسادنا، و دون أن نقضي ما قبل رمضان و نحن نركض بين محلات القماش و خياطة الجلابيب التي كادت تصبح فرضا أكثر من الصيام نفسه...

أزمة كورونا الآن فرصة لإعادة النظر في حمى الاستهلاك و العمل على ترشيد النفقات و الاقتصار على ما نحتاجه حتى نستعيد لذة الحياة التي على حريتنا في عيشها قبل الأزمة انهمكنا فيها لدرجة أننا فقدنا الإحساس بمذاقها.

و كما قال سقراط: " سر السعادة كما ترى لا يتم في السعي إلى المزيد و لكن في تنمية القدرة على التمتع بأقل ".