نقشُ الحنّاء على يديها المُرتعشتين أبَى إلا أن يتداخل بعضُه ببعض ليُخبرها أنه هو الآخر غيرُ راضٍ عمّا يُفعَلُ به.. تدُور النّساء حولها في دوّامةٍ تراها مراسِيم دفْن، تصطدم زغاريدهن الصّاخبة بأذنيها كدقّ الطّبل بوقعٍ عنيف.. تراقبهُنّ من وراءِ رداءٍ مُثقّبٍ منسدلٍ على ملامح الطفلة فِيها؛ ما بالُكَ أيُّها الرّداء المُطرّز؟ أنت أيضا تَودُّ طمسَ هُوّيتي كمَا يفعَلن.. لماذا تحجُبُ عنّي الرؤية، أريد أَن أَرى دُميتِي و تنُّورتي المُورّدَة..

انتهَت طقُوس الحِنّاء على غَيرِ خير، و صعدتِ البُنيّةُ غرفتها تطأُ تارةً الأرضية و تارةً أخرى قَلبَها. جلست على سريرها المهترئ تُحاول أن تحفظَ أشلاءها متَماسكةً قليلا.. سحبَت من تحتِ دولابها وزرةً بيضاء كانت تتقمّص بها من قبلُ دورَ طبيبة أطفالٍ حنُون، مسحت دمعها بأطرافِ أكمامِها و تنهّدت.. كيفَ يُعقلُ أن تتلاقَى الأحلام و مُبطلاتُها على ثوبِ حقيقَةٍ واحد. وحدهُ الظُّلم يستطيعُ أن يجمعَ بين بياضِ أحلامها على وِزرة و سوادِ مصيرِها في كُحل..

دخلت أمّها الغُرفة دون استئذان، و هل استُؤذِنت فيما هو أشدّ وطأً لتُستأذَن في هذه.. تبدو عليها البشاشة و السّرور، تكادُ شفتاها الحمراوتين الفاقعتين تتمزّقان لشدّة اتساعهما.. قالت بصوتٍ مترنّح 'لِم الدّموع يا عروسة! غدا تذهبين إلى بيتِ زَوجِك و تَنسين كلّ همّ'. أتبعَت كلامَها ضحكةً متشدّقةً ثمّ ضربت على كتِف الصّبيّة. تلكَ الضربة الخفيفة نوعا ما كانت كلّ ما ينقُصها لتنهارَ أمام أمّها.. في محاولة استعطافٍ أخيرة، قالت باكية :'رُحماكِ أُمّي..لا أريده.. لا أستطيعُ الزّواجَ من شيخ و طفُولتِي ماتزالُ تركُض في مرُوجِ الورد.. أرجُوكِ كل الرّجاء، لا تُكرِهيني على هذا..'. دفعتها عنها في استياء، أغلقت باب الغرفة في وجهها بقُوّة و غادَرت..

في صبيحةِ اليومِ التالي، جلست الطّفلة تنظُر إلى كفّيها بحُزن؛ حتّى حِناؤها لم ترضَ أن تُخضّبهُما بالأحمر النّاري، فلا حُبٌّ ولا نارٌ في زيجتها هذه.. أصبح أثرُ حنائِها أسوداً كاللّيل، ويكأَنّ كلّ جمادٍ حولها حيٌّ و يشعُر، إلا الأحياءُ صُيّروا في الشُّعورِ أمواتا.

كانت يداهُ المتشقّقتين في تلكَ اللّيلةِ كسكاكِينَ حادّة تُمزّق جلدَها النّاعم؛ هي تذكُرُ إلى الآن بصمة كلّ إصبع وُضِع عليها و كلّ جُرح و كلّ نزف و كلّ دمعةٍ حارِقة.. لم يُلطَّخ الفراش، لقد لُطّخَ قلبُها النّقيّ بنجاسةِ المَظلَمة.

أُعيدَ كلّ ذلك الشريط على شاشة ذهنها دفعة واحدة؛ وقفت أمامه و هو يغطّ في نومه و بيدها خنجرٌ فضيّ.. تبدو أقوى مما كانت عليه منذ ثلاث سنواتٍ فقط.. شتّت تركيزها بكاءُ رضيعتِها في الغرفة المُجاورة، ردعَت نَفسها و ركضت نحو فلذةِ كبدها. حملتها بين ذراعيها بعطف 'كفَى يا أَمَل.. لا تبكِي يا روحِي.. أعِدُك أن أمك لن تتخلّى عنكِ كما تخلّوا عنها.. أُحِبُّكِ..'