الزمن الذهبي.. أو الزمنُ الجميل.. هكذا تعاقدنا على تسميته، و تعاهدنا على الحنينِ إليه.. زمنٌ كانت شاشاتُه بالأبيضِ والأسود، بينما بهجةُ أُناسِهِ تشعُّ ألوانا.. زمنٌ تكفيني نظرةٌ عميقة إلى عيني جدّتي حتى أسافِر إليه، ثمّ أتوه.. أو رائحة فطائر أمّي حتّى تتغلغل الطفولة فيّ تدغدغُ أفراحاً سالفات..

أنظر حولي فلا أرى من ذاك الجمالِ لا بعضاً ولا كُلاّ.. أرى هؤلاء الصغار و قد أقحموا رؤوسهم وسط شاشاتهم و انعزلوا عن الدنيا بما حملت.. صارت الدمى الاسفنجيّة و السيارات الملوّنة بضاعةً مُزجاةً لا تقربها أيدٍ ولا تلمعُ لها أعيُن.. الشوارعُ خالية من صراخِ الصبيان، إلاّ قليلا.. و الدمى هُجرت، فوضعت تماثيلاً على الرّفوف لا تُغيّرُ فساتينُها و لا تضفر خصلات شعرها ضفيرتين..

أتساءلُ وسط كل هذه الفوضى الهادئة.. ماذا سيذكُر هؤلاء عن طفولتهم حين يكبرون..؟ لم تُلوّث أيديهم بالطّينِ ولم يسمعوا جرّاء ذاك توبيخا.. لم تبكِ الصغيراتُ فتسكتُهنّ قطعةٌ عجينٍ ليّنة، تتكورّ بين أيديهنّ و تشكَّلُ شمسا صغيرةً مُدوّرة يُلوّنها لهيبُ الفرن..

حين يقفل أحدهم حلقته الخمسين أو الستين، لا أظنّ أبدا أنه سيطلّ على طفولتهِ من على شرفة الكهولة و يتحسّر عليها.. يودّ لو تعود..

هذا الزمان الذي نصنعه اليوم، هل تراهُ سينعتُ يوما بالزمن الجميل الثاني..؟ هل الزمن الجميلُ يعودُ لكُلّ ما ولّى، أم أن لسنيننا التي مرّت طعمٌ لذيذٌ أكسبها اللقب..؟

حين تكبر ابنتي، حفيدتي.. هل سترخي رأسها على حجري تحدّثُني عن خطط 'غامبول' و غباء 'سبونج بوب'، أم أنها ستتخطى تفاهة تلك الحقبة.. تعود بالسنين إلى ما وراءها لتحزن لمُعاناةِ 'سالِي'، تغرورَق عيناها لموت العم فيتاليس، تترقّب مغامراتِ روميو ب 'عهد الأصدقاء'، و تتّسع عيناها دهشة و تشويقا لمعرفة صاحب الظلّ الطّويل..

عندما تغدو شابة يافعَة، أ تراها ستطرب مسامعها لموسيقى جيلها الخالية من الجمال، المكتظّةِ بالسُّخف.. أم ستهروِلُ لترتمي بحُضنِ فيروزِياتٍ تُهدهِدُ مُهجتَها..

لا أدري إن كانت رائحة الخبز الذي أعدّه ستعلقُ بذاكرتها، و تُعيدها إليّ كلما اجتاحها وحشُ الغُربة.. أم أنها ستدعُ تلكَ الرائحة اللّذيذة تندثِر، ثمّ تقف عند باب أحد المحلات بشارع بلد أجنبي لتبتاعَ خُبزا خاليا من ذكرَاي..

تتضاربُ مليون 'هَل..؟' برأسي، ولا أجِدُ جوابا يشفِي عِلّةَ أيِّها.. لا أملِكُ إلا عباءةً طُرّزت بنقوشِ الانتظار، ألبسُها اليوم، لتطلِعني على ما سيحلّ بزمننا غَدا..