"استقبلتهُ رحمة بسرُورٍ عارِم و ثغرٍ باسِم.. ظلاّ يتحدثانِ قليلاً و أنا ثابتةٌ في مكاني أحاول استيعاب ما يجري.. من تُراه يكون ذاك الرجل؟ و ما الذي يفعله ببيتِ السيّدة..؟ لعله خير..

ما هي إلا ثوانٍ قِلال حتّى علا صوت السيدة كريستين تسأل من الزائر، ركضت إليها رحمة تنبؤها بخبرِ الشّاب الفرنسيّ.. بحلقَ هو في عينيّ باستغراب، رفعَ حاجبيهِ، ضحِك ضحكة مستفزّة ثمّ لحِق بِها.

انصرفتُ ساعتها إلى المطبخ لأتمّ ما عليّ و أنتظِر المَصونَة لتُقبل و تهدٍأ من روع الأسئلة المتضاربة بقلبِ جُمجمَتي. أتت رحمة أخيراً بعد أن مللتُ انتظارها..

-أ تعلَمين من هو ذاك؟

-و من أينَ لي أن أعلم، لكنّ قَولي و اللّه أعلم أنه من عائلة السيّدة؛ فطريقة حديثك معه و فرحك و هرولتك نحوها لا يُوحيانِ بغيرِ ذلك.. أ تدرين ما أتى بهِ إلى هُنا؟

-صدقتِ، هُو أحد أحفادِها.. أحسنهم خلقاً و خُلقا و أشدهم نباهة و فهما. كنتُ و السيّدة كريستين نقيمُ ببيتهم منذُ سنوات. اضطررتُ لتركِ الوطنِ إلى أجلٍ مُسمّى.. يمضي كلّ عطلة صيفيّة هُنا قُربَ جدّته، لكن لا عِلم لي بزيارتِه الآن و قد انتصفَ الشّتاء. فلنلزمِ الصبر، لا بدّ أنّها ستخبرنا بأمرِ ذلك لاحِقاً..

كانت تُخفي خوفهَا من أنباءٍ غير مرغُوبة و تُبدي لامُبالاةً فاحت من جنباتِها رائحةُ التصنّع، كفَتني نظرةٌ في عينيها عن كثرِ السؤال.. فالعينُ يا ابنتي ترجمانُ الرّوح، لا تُخفي خافية ولا تذرُ شعُورا مكتوما إلا فضحته و لا سرّا دفيناً إلا نبشَت تُربتَه.. بِها يُميّزُ الصادِقون و يدحَضُ المُفترون، و بِها يُعرفُ من خسفت الصبَابةُ بوجدِه ممّن يدّعي ذاكَ و جوفُه خاوٍ..

ظللت و رحمَة بينَ جُدرانٍ أربع كانت واسعةً منذُ برهَة، فأضحت أضيقَ ممّا كانت عليه. لم تُكلّم إحدانا أختَها، لكنّ قلبي كان يردّد أن اللّهم لُطفا فأسمعُ قلبَها يُأمِّن..

نادت علينا السيدة كريستين بعد أن أخذ حديثُها مع حفيدها من الساعاتِ ما أخذ. تبسُط شفتيها برفق و ذُبول، كمَا ترخِي الورودُ تيجانَها حين يحلّ اللّيل.. انطفأ وجهُ الشابّ و خبَت إشراقتُه.. ثمّ صارت تحدّث رحمة بأنباءٍ جاء بها السيّد مَارك. كان ذاك الإنطفاءُ كأنه عدوى تصيب كل من وعى الخبر، أمّا أنا فظللتُ أنتظر رحمة لتطلعني عليه و الخوفُ ينهشُ كبِدي.

جلسنا نحن الإثنتينِ في إحدى الغُرف، ثمّ خاطبتني هيَ قائلة:

-وددتُ لو أبلّغكِ ما يسرّك، لكنّ الأمر ليس بيدي.. إنّما هي أقدار اللّه يصرفُها كيف يشاء و ما لنا من أمرنا إلا السمع والطاعة والرضا. لقد أتى السيد مارك ليخبر جدّته أن آخر تحاليلها الطبية بفرنسا لم تكُن مُرضية و أن حالتها تستدعي مراقبة مستمرّة من طبيبها هناك ليتابع فحوصاتها بانتظام؛ ممّا يوجب تركَها للمغرِب و انتقالها للعيش ببلدِها..

-اللّهم لطفَك يا كريم.. شفاها اللّه و عافاها.. لكن ماذا سيحلّ بي الآن و قد أمسيتُ بلا دارٍ ولا معيل.. إلى أين أتجه؟ و من يرحم ضعفَ يتيمةٍ مظلومَةٍ إلا خالِقُها..

دمعَت عينايَ حينها و شُلّ لساني و انعقد، تبوح المدامعُ بكل شيء حين تقصرُ حيلةُ الألسُن و يغوص الوجع في القلبِ حتّى يكاد ينتشل أوردته..

-مهلاً يا فاطمة، لم أكمل حديثي بعد.. أظنّ أني سأرافقُ السيّدة كريستين إلى بلدِها، و قد طلبت منّي أن أستأذنك فيما إن كنتِ تودّين مصاحبتنا أيضا.. فكّري جيّدا، و أخبريني بقرارِك إن وافقتِ حتّى تبدأ هي بتنفيذ الإجراءات اللازِمة..

تنهّدتُ كأنّ على كتفيّ جبلا عظيما، مرّت بخاطري قبساتٌ من أيامٍ خوالي.. ذكرتُ والديّ رحمة الله عليهِما، سيدي عبد العزيز، أمّه، صفيّة، بشير.. كل من أذاقني طعما في هذه الدُّنيا، حلوا كان أم مُرّا.. ثمّ استعذتُ باللّه و قُمتُ لأصلّي، لعلّ سجدةً تُرمّم ما أفسده الخبر في صدري..

لم يزُر جفني نوم و لم أهنأ بغمضة.. نهضت عن الفراشِ و رحتُ لأرى حالَ رحمة، فرغم أنّها كانت تُسرّ قلقها و ارتباكها إلا أنّي أحسستُ أنّ في نفسِها شيئا يتفطّرُ قلبُها عليه.. وجدتُها على سجّادتها و قد رفعت أكُفّ الرجاء و أنّت لحرقةِ الأدمُع، تردّد 'اللّهُمَّ و إن قدرت لِي البعدَ عنها، فاحفظها بعينك التي لا تنام.. اللهمَّ و إن كتبتَ عليّ فراقها فأنتَ خيرٌ حافِظا .. يا رب.. يا رحيم.. إنّي تركتُها بينَ يديك فارعَها.. ربِّ إني أستودعُك إياها و أنت الذي لا تضيعُ عندكَ الودائع..'

خشيتُ أن أفزِعها، اقتربتُ منها بهدوء و همستُ باسمِها بصوتٍ خافت: رَحمَة.. '

يُتبع..