" فزِعتْ رغمَ صوتيَ الحانِي، إنتفضت من مكانها بسرعة و التفتت إليٍ في هلع و هي تمسحُ بيديها المرتعشتينِ غزيرَ دُموعِها:

-ما الذي أتى بكِ إلى هنا يا فاطمة.. ألم تنامي بعد..؟

دنوتُ منها أكثر و ضممتُ إلى يديَّ يديها حتّى تحسّست الدمَ يغلي في عروقِهما، ثمّ ضممتُها إلى صدري. كانت تلكَ أوّل مرّةٍ نتبادلُ فيها الأدوار، أكونُ أنا حضنَ أمّها العطُوف و تكُون هي طفلَتي الصّغيرة المُدلّلة.. صارت تبكِي و القلبُ يسمعُ كلّ أنّةٍ لها، صلّى على روحِي صلاةَ استسقاء فأمطرت محاجري غيثاً.

-لا بأس عليكِ يا حبيبة الرّوح، لقد أدمتِ المُهجَ هذه الشّهقات.. ما الذي حلّ بك يا رحمة..؟ حسبُك، كُفّي الدمع و قُصّي عليّ ما خطبُك.. لطالما كنتِ مخبأ شكواي كلّها، و ها قد حان وقت ردّ الإحسان يا رفيقة.. من التي ستتركينها في عناية اللّه و حفظه؟ أَ لكِ أحدٌ من الأقارب أو الصّحاب بهذه المدينة؟

نظرتْ إليّ و عيناها تشِيانِ بما شلّ عنهُ لسانُها؛

-خديجة.. خديجة.. حبيبتي خديجة..

ظلّت على حالها ذاكَ تردّد اسم خديجة لا تملّ منه و لا تزيد عليه من شيء. قرأت عليها بعضاً من الآيات التي حفظتُها عن أبي -رحِمه اللّه- فهدأت قليلاً و اطمأَنّ نبضها و عادت إليها أنفاسها بعدما ظننتُ أنّ الرّوح كانت تستخرجُ من الجسد.. تشبّطَ بذهني اسمُ خديجة الذي كرّرته على مسامعي كثيراً، تساءلت في نفسي من تراها تكون و أيّ رابطةٍ جعلت رحمة تحبّها و تخشى فراقها إلى هذا الحد.. قطعتْ حبلَ تخيّلاتِي بصوتها المتحشرج:

-خديجَةُ ابنتي يا فاطمة.. (فارقت هذه الأحرف المعدودات مخارجها بعُسرٍ شديد.)

صعقَتني جملتها تلك فلزِمتُ الصّمتَ أنتظر أن تبوحَ لي بما في صدرها.. بذلك السرّ المخبوء الذي لطالما رأيتُ شيئا من تفاصيله على مقاسم وجهها.

-قبل أن أعرف السيدة كريستين، كنتُ متزوّجة من سيدي محمد لما يقارب السنتين.. عشتُ معه و أمّه و كبرى أخواته في بيتٍ واحد. لقد كان زوجي مُقاوما فذّاً لا يذرُ كلمةَ حقّ إلا و صرخ بها في وجه المُستعمر.. يأمر بالمعروف ولو شقّ عليه، و ينهى عن المنكرِ ولو كلفّه الذي كلّفه.. كان كثيراً ما يقضي ليالٍ باردة خارج بيتنا و الرعب يجتاحني، أخاف عليهِ أن يسجنَ أو يمَسّه منهم أذى، إلى أن أتى عليّ يومٌ قبلّ فيه جبهتي و لفّ ذراعيهِ الشديدتينِ حولِي كما لم يفعل قطّ أبداً.. قال حينها 'اسمعيني يا رحمة، كوني قويّة صابرةً كما عهدتُك.. إنّي مقدمٌ على أمرٍ عسير.. قد أعود و قد لا ترينَ لي أثراً بعد هذه أبدا.. لم أخبر أحداً إلاّكِ، نفسُك أمانةٌ أستحلفك باللّه أن تتقيه فيها إن ولّيتُ دونَ إياب.. أستودعك اللّه يا غالية." ثمّ فارقني رفيقُ دربي و نور أيّامِي و لم أبصر وجههُ الحبيبَ بعدها..

كانت تحكِي عن زوجِها و كانَ خاطرِي قد هفَى بي على ذكرى سيدي عبد العزيز.. سُنّة الفقدِ التي سنّها اللّه في أرضِه.. كلّ حبيبٍ مفارق من أحبّ، من ادّعى غير ذلك في دنيا الهلاكِ تكهّن و افترى و من آمن بالبينِ عقِل و دَرى..

أكملت رحمة:

-بعدَ أشهرٍ من رحيله و انقطاعِ خبره، بدأ أملي في رجوعه يتلاشى و يندثر.. و بدأت بطني تنتفخ شيئا فشيئا، كان حملي ذاك رحمة من اللّه بفؤادي المكلوم. ترقبتُ خروجَ مولودي إلى هذه الحياة بشوقٍ لا شوقَ يعادله و آن اليوم الموعود.. مشقّة ولادتها مازالت ترهق ذاكرَتي، فقط لو أنّ قُربها داوى شرخَ المشقّة..

-هي خديجةُ إذن؟؟

-بلى يا فاطمة.. حُرمتها و لم تمسّ أناملي جلدها الناعم بعد.. مرّت سبع سنوات و حبيبتي ما تزال تردّد في أذني صرختها الأولى.. سمِعتُها يا فاطمة.. أ يصرخ الميّت يا فاطمة! أحرقُوا كبدِي عليها! لا سامحهم اللّه.. أخذوا قرّة عيني من بطني إليهم بلا حقّ ولا سلطان. فلمّا قمتُ و استجمعتُ قوايَ و ثارت ثائرتي أبتغي قطعةَ روحي، زُجرتُ من بيتهم زجراً رخيصا؛ لا حنّوا و لا اهتزّوا..

-إنا للّه و إنا إليه راجعون.. ظلمُوكِ عاقبهم اللّه! أ تذكرين المكان يا حبيبة؟ أ رأتِها منذ ذاك الحين؟ (أنطق و قد انفطر الشعور بين أضلعي..)

-بلى أراها..أسترق إليها بضع نظراتٍ بِعاد وهي تلهو مع صويحباتها.. قادتني حُرقتي ذات عشيّة حتى وقفتُ عليها و قد اغرورقت عيناي و ناديتها باسمها ثمّ أخبرتها أني أمّها.. انتشلت يدها الصغيرة من بين كفيّ وهربت المسكينةُ فزِعةً مضطربة.. أ تدرين يا فاطمة كمّ الوجع في أن يصدّ عنك ولدك الذي حملته بطنك.. أن يكون بينَ ناظريك و مفقوداً عنكِ في الوقت ذاته..

نبشت كلماتها قبرَ نزفٍ طريا كنت دثّرته منذُ عهدٍ قريب.. وددتُ لو ذكّرتها أن لستُ أدري يا رَحمة.. لا عِلم لي بذلك إذ لم تحمل أحشائي قطّ جنينا.. لم ألِد ولم أُحرَم..

-أريدُ أن أرى ابنتكِ يا رحمة، هلاّ اصطحبتني معك..؟

- هي تشبهني كثيرا.. سأذهب غدا إن شاء اللّه فقد حنّ الضّلع إلى الضّلع.. سنراها خُفيةً فقط فقد قطعت على نفسي عهدا بألا أقربها ثانية و أدعها للّه يرعاها و يدبّر أمرها خيرا..

في صباح اليوم التالي، أتت رحمة توقظني لنقصد وجهتنا.. إستأذنّا السيدة كريستين، أسدلت كلّ منا خمارها ثمّ رُحنا..

يُتبع..