إنّ من أوثَقِ الرّوابطِ التي جعلها الله سبحانه وتعالى في أرضِه، رابطةُ الأمّ بولدِها.. فتجِدُ الأُمّ إن حُرمَت قِطعةَ قلبِها جُنّت و أُتلِفت رجاحةُ عقلها، فلَم يبقَ منها إلا ذاكَ القلبُ خفّاقاً يُناشِدُ أن رُدّوا إليَّ بعضِي! و تَرى الرّجُل صبيّاً و المرأةَ طفلةً؛ حتّى إذا حَالَ شبحُ الفقدِ بينهما و بينَ الوالِدة، شاخا في العُمرِ قُرونا و حملا في الصّدرِ كُربةً و فؤاداً محزونا.. إنّها علاقَةُ كينُونةٍ وطيدة، فكُلّ طرفٍ فيها يقول "إنّي أكونُ حينَ تَكُون" فإن نَزلَ الحرمانُ ضيفاً، أضاعَ كُلٌّ نفسَه..


" مع كُلّ خُطوة، كُنتُ أسمعُ نبضات رحمة تتسارعُ في الضّرب وتتعالى في الصّوت، كأنّما صدرُها يُريد أن ينشق و قلبها يودّ لو يقفز ليسبقها إلى خديجة..

طوال الطّريق، لم تنبس ببنت شفة.. لقد ظلّت غارقة في صمتها، شاردٌ ذهنها، تكادُ لا تبصر الطّريقَ أمامها لكنّها تخطو.. وتخطو.. فالقلبُ إن أحبّ سيقَ مُسيّراً لا يعرِف من الطُّرق إلا واحدة، واحدةٌ تقودُه لمنبعٍ ينهلُ منهُ حتّى يبيتَ مروِيّاً قريرا..

توقّفتْ فجأةً و جرّت ذراعِي إليها، توارينا خلفَ جدارٍ أبيضَ قديم البنيان، رفعت سبّابتها المُرتجفة بصعوبة و أشارت إلى مُنتهى الطّريق "تلكَ ابنتِي يا فاطْمة.. ابنتِي خديجة.." فلمّا أطلقتُ بصري أنظرها، تجلّت لِي من بينِ الفتياتِ رَحمَة صُغرى، ميّزتُ ملامحها من بينهنّ. كانت تحمِل بين يديها الرّطبتينِ دُميةً يدويةَ الصّنع، تُدلّلها برفق و تُلبسُها قفطانَها المُطرّز الذّهبي..

استأذنتُ رفيقتي في الذّهاب إلى خديجة، فلم تأذن لي إلا بعد محاولاتٍ كثيرة..

أخذتُ أسيرُ إليها و خافقي مُرتعشٌ يرجُو اللُّطفَ و يهابُ الصّد. فلمّا بلغتُ، جلستُ إلى جوارها أتأمّل وجهها القمحيّ الطّلة و عينيها الخضراوتينِ الصّافيتين.. كأنّهُما واحتانِ دانيتا العروشِ في أرضِ صحراءٍ ذهبية الرّمال. سرحتُ بخيالي لبُرهة من الزّمن، تُرى لو كانت لي بُنيّة، هل سترث عنّي أوصافي هكذا.. أم أن حظّها منّي سيكُون بُؤسا و حُزنا فقط.. و هل تراها كانت لتُشابهني في الطّباع، أم أنها ستخرُج عن طوعي.. أ بارّة أم عاقّة.."

**********

كانت لالّة فاطْمة تبكي بحُرقةٍ وهي تحكي عن خديجة و تقارنُ بينها و بين ابنتها الوهمية.. وضعت يدَها على كتِفي و قالت : لقد أجابَت السّنينُ على كُلّ تساؤُلٍ خطرَ لِي، ساقت لِي الأقدارُ ما أحببت فأُشقيتْ روحي بما تكره…

رجوتها كثيرا أن تُوضّح لي معنى كلامها المُبهم، لكنّها تحفّظت و أبَت و أصرّت عليّ أن أصبِر إلى نهاية الحكاية لأعلمَ تأويل قولها، فما كان لِي إلا أن فعلت..

**********

" صرتُ أُلبِس دُميت خديجة و أُثبّت ثوبها.. ظلّت تنظر إليّ ببعض التّعجب و على ثغرها ابتسامَةٌ رقيقة. ثُمّ نطقت: أنتِ يا خالة تُتقنين فعل هذا أفضل من أُمّي!

هزّتني عبارتها هزّاً عنيفا، أوقعني من سماءِ الخيالِ و رضخنِي بأرضِ الواقع..

-و ما اسمُها أُمّك يا صغيرتي؟

-اسمُها فَتِيحة..

أدركتُ ساعتها أنّ حماة رحمة و ابنتها قد حكمتا على هذه البريئة بالعيشِ في الزّيفِ طوال عمرها، و أن تأوي إلى حضنٍ غير حضنِ التي حملتها مغمضةَ البصيرة.. لكن ليس المأوى كالمأوى ولا الشّعور كالشّعور.. وحده كنف الأمّ يولّد في الرّوح تلكَ الهُدنة المُقدّسة و يُسري في الجسد تلكَ الرّعشة المعلومة.. و كل ما خرج عن ذلك باطل..

لاطفتُ البُنيّة و لاعبتُها حتّى لانت لي.. و كنتُ بين الفينة و الأخرى، ألقي نظرةً على رحمة و هي تتفحص حبّة فؤادها و تُراقب كل تفاصيلها في شجن..

نهضتْ خديجة و أخبرتني أن عليها الذهاب.. فقد أخبرت أمها و جدتها أنها لن تتأخر عن موعد العودة.. طلبتُ منها أن تصحبني معها إلى بيتِهم حتّى أتعرف عليهما فلم تُمانع. تبِعت رحمة خُطانا إلى أن طرقنا باب الدّار..

أطلّت الأمّ المُزيفة فدُهشت لمّا رأت يدي و قد ضمّتها يدُ الصّغيرة، انتشلتها بسُرعة و أخذتها في حُضنها تستفسر عمّا إن كُنتُ آذيتُها في شيء.. استنكرت خديجة ذلك و صارت تمدحني لأمّها..

أومأتُ إلى رحمة بالقُدوم، ثُمّ خاطبتُ أختَ زوجها :

-سلامُ الله عليكِ.. اسمعي، نحنُ لا نريد إذاية هذه البريئة.. ولكن رفيقتي تحمل بين ضلوعها حديثاً قديماً طال به الأمد.. فليتَكِ تسمحينَ لنا بالدّخول، لتعلمِي القصد..

بَدتْ مُتردّدةً كثيرا، و ظهرَ أنها قد أوجست في نفسها خيفة.. لكنّ فضولها أجبرها على أن تفتح لنا باب بيتها لتكشف عمّا جئناها به.

في الفناء، تجلسُ امرأةٌ طاعنةٌ في السّن، تتوسّطُ جبهتها علامةٌ موشومةٌ خضراء.. ضعيفة البنية، لكنّها ليست وهنة العظم.. كانت منهمكة في غسل الصّوف إلى أن لمحتنا، انتفضت تسألُ من نحن،، لكن ابنتها هدّأت من روعها و طلبت منها مرافقتنا إلى غرفة الضّيوف، و أشغَلت خديجة بعيداً عن مكاننا..

خيّمَ الصّمتُ قليلاً، ثُمّ طلبتُ من رحمة أن تكشِف غطاء وَجهِها..

و هُنا صُعِقتِ المرأتانِ! لم تعلما أي بلاءٍ هذا الذي نزل بهما.. كادت عيناهُما تنفلتانِ من موضعهما لهولِ الموقف، همست فتيحة بصوتٍ مُتحشرج:

رحمَة..! أ معقُولٌ هذا..! بعد كلّ هذه السنين..! ما الذي جاء بكِ إلى هُنا؟؟ "

يُتبع…