"الخوفُ شعورٌ قاتل.. إمّا أن يقتل صاحبه دفعةً واحدة فيلقط أنقاسه قبل أن يرتدّ إليه طرفُه، و إما أن يقتل فيه كل شيء إلاّه..

أنانيّ جدا هذا الشعور، يأبى إلا أن يستفردَ بالمرء لنفسه و يعزلهُ عن كل ما حوله من مُسكّنات و مسببات للطمأنينة ولو وُجدَت.. ترفرفُ على قلبِ الواحد منّا غماماتٌ مثقلةٌ بالغمّ و الكدر، تدمعُ هي في قلبِ السّماء، فتغرقُ مآقينا و قد غصّت من حسرتها في تُرابِ الأرضِ.. لا نخشى شيئاً، و لكنّنا نهابُ الشيء كُلّه..

هاذِي الجراحُ ما أبقَت منّا سوى هياكِل نهشهَا الدهرُ نهشَا، و خاضت فيها المواجِعُ خوضاً ذا بأسٍ شديد..

تنكَمِشُ زهرةٌ الشبابِ على نفسِها، فتُخطّ تجاعيدُ اللّيلِ على وريقاتِها الأُرجوانيّةِ حتّى تُشوّهها.. تُريدُ الصُّبحَ و لا تُريدُه.. تُحبُّ اللّيلَ و لا تُحبّه.. تفزعُ لبزوغِ فجرٍ جديدٍ لا تدري ما حَمل، و توجسُ في نفسِها خيفةً من غسقِ اللّيلِ لا تدري علاَمَ انطوى.. "

" سمّيتُ اللّهَ و ولجتُ بيتَها و كلّي رجاءٌ أن يجعل اللّه في أمري ذاك خيرا.. و قد كان ذاكَ رياضا بهيجاً من رياضاتِ المدينة العتيقة.. بسطتُ ناظِري أتأمّله، فأخذني رونقُ الستّائرِ المزركشة الذهبيّةِ اللمعةِ المنسدلةِ على كلّ واحدةٍ من أبوابه.. و نافورَةٍ توسّطتِ الفناءَ في عنفوانٍ جليٍّ تسقي قلوبَ العطاشى للجمالِ حيثُما حلّ.. لا زلتُ أذكر تفاصيلهُ الصغيرةَ المونقة.. كانَ رياضاً ذا روح، أحيا فيّ كثيراً مما قتلتهُ السّنون..

و أنا على حالِي تلكَ، فإذا بسيّدةٍ ممشوقةِ القدّ بشوشةِ المُحيّا تقبلُ عليّ، كانَ قفطانُها المطرّزُ يوحي بانتمائِها إليّ، إلى أرضِي.. هرولتُ إليها فأطلتُ العِناقَ حتّى تعجّبت لفعلِي.. لكنّها سرعانَ ما كشفت الذي هو في نفسي، نظرت إليّ نظرةً أعادت أمّي _رحمها اللّه_ من قبرِها إلى مَرآي.. وضعت يدها الحانيَةَ على خدّي برِفق، ثمّ تمتمت ' اللّه وحدهُ أعلمُ بما ذرفتْ هاذي العيون و شرِبتْ هاذِي الوجناتُ حتّى ارتوَت جداوِلُها.. لا بأسَ عليكِ اليوم.. إنّ اللّه لا يخيّبُ صفيّ السّريرةِ أبداً..'

قالت قولهَا ذاكَ كأنما خبُرتْ بالذّي كنتُ فيه..

علِمتُ بعد أيّامٍ معدودات أقمتُ فيهنّ ببيتِ السيّدة كريستِين أنّ اسمَها رَحمَة.. كنّا نحن الاثنتينِ نقومُ على أشغالِ البيتِ من تنظيف و طبخ و غسيل مُقابل مبلغٍ نستلِمُهُ آخر كُلّ شهر.. و الحقّ يُقالُ، كُنّا ننعمُ بعيشٍ كريمٍ لا ينقصنا بفضلِ اللّهِ شيئٌ يُذكر. تعامِلُنا السيّدة الفرنسية بلُطفٍ يشهدُ لها بِه، نؤنِسُ بعضنا بعضاً..

تكبرُني رحمة بأعوامٍ عديدة لم تُبلِغها مبلغَ الأُمومةِ و لكنّها كانت لي الأختَ الكبرى و السّند المرصوصَ بنيانُه.. قصصتُ عليها بعضَ الذي جرى لي، و كيفَ ساقتني الأيامُ إلى تلكَ الدّار؛ فسبحانَ الذي سمّاها بما خصّها بهِ من الخصال.. رحمةٌ تُداوِي القلوبَ إن زفرَت شجناً، و تضمّدُ الجرُوحَ النّازفات..

تتقنُ هِي اللّغة الفرنسية كثيراً، لا أدري كيفَ تمكّنت منها.. كانت ترجمانِي و السيّدة كريستين.. كتومَةٌ جدّا لا تُكشِفُ من ماضِيها عن شيء، أحسّ بها أحياناً أنيناً صامِتاً، و بُكاءً جافّاً.. لكنّها تأبَى أن تفشِي سرّها الدّفين..

ظللتُ على حالِي تلكَ أخدُم السيّدة الفرنسيّة.. كثيراً ما كُنتُ أتطلّعُ لأخبارٍ ما عن سيدي عبد العزيز أو ابنه أو صفيّة.. لكن خبرهُم انقطعَ عنّي منذُ شهرينِ تركتُ فيها بيتَه..

-فاطمة..! هنالكَ أحدٌ ما بالباب.. هلاّ فتحتِ رجاءً..

- طيّب يا رحمة، ذاهبةٌ فوراً.. خيراً إن شاء اللّه..

كان شابّا مرموقاً أشقرَ ذا بشرةٍ بيضاءَ صافية..لم أفهم ما قال حينها، فقد حدّثني بلسانٍ فرنسي،،

-فاطمَة.. من بالباب؟؟

-لاا أدري يا رحمَة، لكنّه نطق اسمَ السيّدة كريستين.. لا بدّ أنه يسأَلُ عنها.. أسرِعي، فلستُ أفقهُ حديثه هذا..

-السيّد مارك! ما هذه المفاجأة السّارة.. ستُسرّ السيّدة كريستين كثيراً برؤيتِك..!! تفضّل! (كلّمتهُ رحمة بلسانِ قومِه..).."

يُتبَع..