إنّنا أحيانا نفعَلُ ما نفعَلُ لا تمَرُّداً و عِنادا، ولكنمّا ضُعفاً -إن صحّ القولُ- أو ضياعا. قد نخرقُ صفحات القوانين و نبعثر حروفَ بنودِها، فقط لأننا تائهون. تقسُو علينا الحياةُ فنقسو على أنفسنا، ندلِي بأننا ننتقم.. لكن لِمن و مِمّن؟ إنّنا بالأحرى ننتقِم لذَواتنا من ذواتنا. نخُوض مع أنفسنا معارِك طاحنة من التّفكير، نتظَاهر بالانتصار و نخفِي عداد الخسائر كيلا ننفضِح. تخُوننا الألسُن وتخرُج عن طوعِنا الأيدِي، قد نصرُخ حتّى يزلزل صوتنا عمق البحار و الشجر و تفزعَ الطّيور.. قد نكسِرُ كل ما نصادفه قُبالنا دون ذنب، كأساً أو قارورَةً أو قلباً.. يغشى أعيننا الضباب و تلبس أدمغتنا حُلل الشّلل.. يختلط علينا كلّ شيء و لا شيء في الوقت ذاته، نعلمُ أننا مضطربون شيئا ما، لكن لا علمَ لنا بالبواعِثِ و العِلل..

ينفُر الناس منّا تباعا كأن بنا جُذاما يخشونَ بأسَه. ترمقنا العيُون بنظراتِ الاستياءِ و النّبذ. لقد كانت أرواحُنا مُخضرّةَ ذات ربيع، كُنا ننبض بالأمل و نحلم بالغدِ المُثمِر.. ما لا يعلمونه، أن الأمل البهيّ سقط منّا ذات خيبة و هم غافلُون. و أنّنا منذ ذلك الحين نبحثُ دون جدوى، و ما يظهَر علينا من شحُوب ما هو إلا آثارُ ندُوبٍ لم يطمئنّ على حالها أحد. علينا أن نحمد الله أنْ ليسَ لجثث الأرواحِ ريحٌ كريهة،و إلا لما استطعنا أن نخطو في هذا العالم خطوة دون أن نختنِق.. الأرواح الميّتة تحوم في كل زاوية.. و المُنكسرةُ منها ترجُو الفَكاك..

يا مُهجَةً في داخلِي، ما أحزَنك..

يقال أن ما يعِين الواحد فينا و يقوّيه على النوائب، صديقٌ يشد عضده به.. و كنت أعُدّك يا رفيقُ رفيقي، إلى أن أفلتَّ أصابعي النحيلة من بين أصابعك و تركتني.. ما تلكَ من شِيمِ الرُّفقاءِ. لم أطالبك يوما بأن تلقي علي من الكلمات ما يواسِي قلبيَ المُنهك، لم أقُل يوماً كُن لي كتفا أو ذِراعاً أو كفّاً تُزيحُ دمع الغمّ إذ حادى الخدُود.. كل ما أردته، أن تبقى هنا.. حيثُ عهدتك.. أن تهمس 'أنا بجانبك' حين تجتاحني الوحدة.. أو لا تنطِق، ابقَ جوارِي، سأسمعُ دقاتِ قلبِك تخفِقُ لي فأستأنس..

أنا يا صديقي واحد من بينِ أولئك المهووسينَ بالماضي كثيرا.. أولئك الذين يغمضون أعينهم ليتخيلوا أشياء لم تحدث أصلا، ثمّ يسرحون في تحليل احتماليات حدوثها و فرضيات تأثيرها عليهم.. أنا أفقد سيطرتي على أعصابي كثيرا.. سامحنِي إن كُنت مرّةً فظّاً معك، تعلمُ أنني بريء من تلك اللعنة التي تتخبط بي أحيانا.. لستُ شخصا سيئا جدا، أنا فقط تائه جدا.. و أحتاجُك.

صدورنا مكتظّةٌ ببذور الورد، لكنّها لم تنبت بعد.. تنتظر ساقيها.

نحن فقط انطوائيون قليلا، ربما كثيرا.. نحب العزلة، ليس لشيء غير أننا ألفناها. لا تُفزعنّكم غرابتنا، نحن مثلكم تماما.. اقتربوا، اسقوا بذور الوردِ وُدّا لكي تنبُت بين ضلوعنا حقولا زكيّة مُونِقة..

بداخلنا سُرُج موضوعَة، تنتظِرُ أن تُبثّ فيها كلمة طيّبة، فتنير. لا تنظروا إلينا على أننا حمقى أو مختلّي عقول.. نحن بخير، لكن كل حاجتنا؛ إبتسامة صافية و حرفٌ صادق.. أحيوا فينا آمالاً بعدما أجهِضت في أحشائنا أخرى..