أنتج شبه القارة الهندية قامات دينية كبيرة في مختلف الفنون الشرعية من التفسير والفقه والحديث، وبالخصوص لهم باع طويل في علوم الحديث النبوي حيث خدموا هذا الفن الكبير وصنفوا في هذا المجال موسوعات ضخمة تدوينا وتقعيدا وشرحا ، وأنا هنا أسلط الضوء على نشأة علم الحديث في الهند وعلى عدد من المحدثين المشهورين الهنديين و خدماتهم في الحديث النبوي .

أولا ،لقد وصل الى الهند محدثون كبار في القرن الثاني من الهجرة أمثال الشيخ نزيل الهند إسرائيل بن موسى البصري ومنصور بن حاتم وفتح بن عبد الله السندي والامام الرجاء السندي وغيرهم ونشأ هذا الفن بجهود هؤلاء العلماء ولكن اختفى ضوئه تدريجيا لما ضاعت السلطة العربية في هذه المناطق وتسلط الفقه وأصوله والفنون العقلية على المشهد باستتثناء بعض جهود العلماء المرموقة .

القرن العاشر من الهجرة

لقد وصل الى الهند في القرن العاشر من الهجرة محدثون من البلاد العربية كالشيخ عبد المعطي بن حسن باكثير المكي والشيخ ضياء الدين المدني وتلامذة الامام السخاوي مثل الشيخ وجيه الدين والشيخ محمد بن عمر الحضرمي ونشر هؤلاء الشعاع النبوي في هذه البقعة المباركة حتى فهم العلماء الهندييون مكانة الحديث النبوي وبدؤوا السير لخدمة هذا الفن العظيم حتى رحل عدد كبير منهم الى الحجاز وتمكنوا في مختلف فنون علم الحديث ومنهم الشيخ عبد الله السندي و الشيخ رحمة الله بن عبد الله السندي والشيخ يعقوب بن حسن الكشميري والشيخ حسام الدين المتقي والشيخ علاء الدين علي بن حسام الدين المتقي والشيخ عبد الحق الدهلوي وغيرهم، ومن المحرك الاولي لهذا التيار المتزايد هو زيادة العلاقات بين العرب والهنود خلال التجارة خاصة في زمن السلطان الدكاني محمود الباهمني حيث اخترعت في عهده طرق بحرية جديدة الى البلاد العربية وكان قد حفز ايضا المحدثين باعطاء المنح الدراسية ويمكننا ان نرى انه لما أعلنت الدولة الصفوية ايران دولة شيعية هاجر عدد من علمائها الى البلاد الهندية ونشروا العلم في الهند، ولا يخفى أن زمن السلاطين المغوليين كان عصرا مزدهرا حيث حفزوا العلوم والترقية وكان المحدثون الهنديون نتاجا لهذه الحرية والازدهار الثقافي والحضاري بصفة عامة .
وجائت هامات كبيرة في القرون المتتالية منها شاه ولي الله الدهلوي والشيخ عبد الحق بن فضل الله العثماني والسيد عالم علي نغينوي والسيد ندير حسين والشيخ عبد الحي بن عبد الحليم الانصاري والصديق حسن القنوجي والشخ رشيد أحمد الكنكوهي والشيخ محمد أنور شاه الكشميري وغيرهم، ويمكننا أن نعرف من هذا التاريخ الموجز لنشأة علم الحديث في الهند أنه لم يتوقف هذا السير من القرن العاشر الى يومنا هذا وهناك أسباب رئيسية لاستمرار هذا النشاط ولكن لا أريد أن أتعرض لها بل أشير الى جهود بعض من هؤلاء العلماء الكبار الذين لهم فضل كبير في إذياع صيت الهند في هذا الفن .

الشيخ علاء الدين علي بن حسام الدين المتقي

ولد المحدث علاء الدين بن المتقي رحمه الله عام 885 في أسرة عريقة دينية وكان أبوه أيضا من أعلام الحديث ،ترعرع في كنف العلماء والصوفيين وكان قد أفرغ عمره لعلم الحديث حتى ترك الهند في أواخر عمره ليتلمذ عند الشيخ ابن حجر الهيتمي ،رحمه الله ،الفقيه الشافعي المعروف وقضى عنده سنتين كاملتين وكان قد تأثر بأـخلاق الشيخ ابن حجر رحمه الله ومن كتبه المشهورة
1 )كنز العمال في سنن الاقوال :تلقى هذا الكتاب قبولا واسعا وكان قد بوب فيه جمع الجوامع للسيوطي رحمه الله في ترتيب فقهي 2 )منهج العمال في سنن الاقوال3)مختصر النهاية في اللغة

الشيخ عبد الحق الدهلويى (958-1052)

لا يتم تاريخ علم الحديث في الهند الا بذكر الشيخ عبد الحق الدهلوي ومن العجيب في أمره انه لم يتفرغ لعلم الحديث الا في الثامن والثلاثين من عمره حيث أتقن وأجاد في جميع فنونه وصنف فيها ونشرها في أنحاء الهند وبنى مدرسة في دهلي لإشاعة الحديث وقد قضى أربع سنوات في الحجاز وتلقى الحديث من علماء كبار امثال الشيخ علي جار الله بن ظهيرة المكي وأحمد بن محمد المدني وحميد الدين عبد الله السندي وغيرهم. وكان متمكنا في التفسير والحديث والفقه والأخلاق والنحو وغيرها من الفنون الشرعية وآلاتها وكان مؤلفا نابغا يتقن اللغة العربية والفارسية معا كما هو شأن كثير من العلماء الهنديين ومن كتبه المشهورة
1) أشعة اللمعات شرح مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي (باللغة الفارسية) 1) لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح 3) أسماء الرجال والرواة المذكورين في كتاب المشكاة 4) مقدمة في أصول الحديث وغيرها من الكتب المشهورة

شاه ولي الله الدهلوي

ولد شاه ولي الله الدهلوي في أسرة دينية عريقة عام 1114 من الهجرة ،وكان نجما لامعا في سماء الهند لأنه ولد في حالة سياسية مرتبكة، وكان زمنه زمنا استثنائيا في تاريخ الهند الاسلامي ،لان الهند دخلت الى مرحلة ضعيفة بعد موت السلطان أورنكزيب ، وتوالى بعده سلاطين ضعفاء ودخلت الهند تحت قمع الاحتلال البريطاني بعد معركة بلازي عام 1757 ،وترعرع هذا النجم في كنف والديه وحفظ القرآن وتعلم أساسيات العلوم الشرعية قبل السابعة عشر من عمره ، وعمل مدرسا بعد ذلك في المدرسة الرحيمية، وخرج الى الحجاز عام 1731 الميلادي حيث قرأ الكتب الاحاديثية من علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة وبرع في في علم الحديث وغيره من الفنون الشرعية والعقلية وله آثار ضخمة من الكتب في مختلف الفنون الاسلامية مثل "حجة الله البالغة" وأنا أكتفي بالإشارة الى كتبه المشهورة في الحديث
1)الاربعين 2) الارشاد الى علم مهمات الاسناد 3) شرح تراجم أبواب البخاري 4) المسوى شرح الموطا
وبالاضافة الى تأليفاته القيمة كان متفهما للقضايا الاجتماعية والسياسية ،ونافح ضد الطقوس والعادات التي غزت أخلاق المسلمين من الهندوسيين كاستنكارهم لتزوج الارامل وقد تعامل في السياسية ايضا حين دخول المراتيين الى العاصمة الهندية عام 1756 حيث استدعى السلطان الافغاني شاه أبدالي الى الهند ولكنه رجع مع فوزه في المعركة.وتوفي في عام 1176 من الهجرة و1765 ميلاديا.

الشيخ صديق حسن القنوجي

ولد الشيخ صديق حسن القنوجي عام 1248من الهجرة في مدينة بهوبال وتلقى العلم الاساسي من الهند ثم رحل الى الحجاز للتعليم العالي وتزوج ملكة بهوبال بعده وعمل نوابا لمدة قليلة ولما عرف أن هذا المنصب يبطئ مسيرته العلمية فاستقال عنه وانشغل بالتأليف ومن كتبه القيمة في علم الحديث
1)عون الباري بحل أدلة البخاري 2) السراج الوهاج في كشف مطالب صحيح مسلم 3)فتح العلام 4) الرحمة المهداة

محمد زكريا الكاندهلوي

ولد الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي عام 1315 من الهجرة زتلقى العلم من علماء عباقر وقد قام بتأليفات قيمة في علم الحديث ومنها 1) أوجز المسالك شرح موطأ مالك 2) خصائل النبي شرح شمائل الترمذي 3) لامع الدراري على جامع البخاري .

مولانا أنور شاه الكشميرري

ولد عام 1292 من الهجرة في أسرة دينية عريقة التي تتصل سلالتها الى أصل بغدادي، وكان واحدا من أعلام في الهند شرح البخاري في كتابه القيم فيض الباري شرح صحيح الباري .

الشيخ صفي الدين عبد الرحمن المباركبفوري

ولد الشيخ المباركفوري عام 1283 من الهجرة، وتلقى التعليم من علماء الهند المشهرين وعرف بشرحه المشهور تحفة الاحوذي للجامع الترمذي .
وفي الخلاصة هناك دور بارز للعلماء الهنديين في علم الحديث، وانا اقتصرت على بعض أهم الشخصيات وتبيين خدماتهم في هذا المجال، وقد كتب العلماء الهنديون شروحا لمعظم الكتب الحديثية المشهورة ، ولا بد أن تكون دراسات في هذا المجال ليتجلى أكثر وأكثر عن هؤلاء المحدثين المشهورين .