إنَّها نهاية أيلول، ولطالما كان هذا الشهر مرتبطٌ بكِ في ذاكرتي، مع كل تلك اللقاءات المسروقة التي تسيل في أروقة الذاكرة مع أول انفجارٍ لها.

بالنّسبة لي لم يكن أيلول، بخريفه الأرجواني وأوراقه الميتة، سوى "أيلول البدايات" لا غير، ولا أعرف كيف لنهاية ما أن تكتب في إحدى أيام أيلول تحديداً!

صبيحة هذا اليوم كنت ذاهباً لأول مقابلة عمل لي، إنها آخر بداية أصنعها في أيلول الحالي.

شجرة الليمون التي ذبلتْ زهورها وفقدت أوراقها، دأبت بوفاءٍ معتاد نشر رائحة الليمون المنعشة مع كل هبّةِ ريح. كان بائع اليوسفي الذي يعتمر قبّعة رمادية من خيوط الصوف، ينادي على اليوسفي بصوتٍ أجشٍ وعال، والأولاد يسيرون باتجاه المدرسة، بشعورهم المدهونة وحقائبهم الملونة، تخترق ضحكاتهم صباحجدار أيلول الأخير لهذا العام. عندما داهمتني بركة ماء موحلة، تشكّلت بفعل قطرات ماءِ سجادٍ مغسول تم نشره على شرفة إحدى الشقق في العمارة، تجاوزتها بخفة محافظاً على نظافة حذائي، بالتزامن مع فتى الإبتدائية بجانبي، الذي وقف أمامها فترة طويلة مضيّقاً عينه بتركيزٍ بالغ، قبل أن ينجح في تجاوزها بقفزة رشيقة..

لم يسعفه الوقت لإعلان فرحته حتى فقد اتزانه وسقط على مؤخرته ملوّثاً لباسه المدرسي، صرخ غاضباً بينما ضحك بقية الأولاد..

ولمعت أمامي تلك القاعدة العتيقة التي اضمحلت في ذاكرتي كبزيقة رُشَّ عليها الملح.. «أننا يجب أن لا نركز على شيءٍ ما تمام التركيز، وأن لا نبالغ في إعطاء العقبات أمامنا أكبر من حجمها الحقيقي».

 ولكنني للّحظة هذه، مازلت حين أوجّه تركيزي بكامله، وجميع منحنيات عقلي لتجاوز عقبة ما، أكون -في الوقت ذاته- أتعثر بعقبة أخرى، لا تتبيّن لي إلا بعد أن ترتطم مؤخرتي بالأرض.

لم أكن قط جيداً في مسألة إدراك الأمور بالوقت المناسب. كل تلك الأشياء والحقائق البديهية لا تتكشف لي إلا بوقتٍ متأخرٍ لا يُحسن معه النظر ولا تغير النمط الفكري الذي عشتُ على أساسه.

لقد كنت غافلاً عن كل معطيات الحياة، وعن تجلياتها الواضحة المتكشفة بسهولة لأي شخص آخر. كنت أرغب بالشيء بشدّة تُسْقطُ غلالة سميكة على عقلي وتعميني من رؤية حقيقة هذا الشيء، وهذا الأمر بالذات هو الذي أبعدني عنكِ وأسقطني في هفواتٍ لم أرها إلا لحظة ابتعادكِ عنّي.

أحياناً علينا أن نبتعد عن الشيء بالقدر الكافي حتى نستطيع رؤيته على حقيقته.

القرب الشديد لم يكن خياراً أنسب مع امرأة محفوفة بالخطوط الحمراء مثلكِ. إن أي علاقة في العالم تستمر في التقارب إلى حدٍّ معيّن، وأي خطوة بعد ذلك الحد هي هفوة فادحة تفتح مجالاً واسعاً للتنافر والبعد. الوقوف عند حدٍّ ما هو دلالة كافية للقرب، وعدم تجاوزه ضمانة لإمكانية استمرار هذه العلاقة.

وفي حالتي أنا، لم أكن أتوقف عند أية حدود، كنت نهماً للتقارب المثالي الذي لم يذقه أحد، للتماهي والامتزاج معاً بطريقة خاصة، لأن يتداخل اعتمال مشاعرنا معاً كنوتات موسيقية. 

ولكني بأفعالي تلك كنت أخلق عثراتٍ متنامية وهفواتٍ شتى في جسد علاقتنا المتعب. ولم يسبق لي أن تفطّنت لوجودها إلا لحظة تشكل مسافة كافية ترسم لنا أبعاد الفراق ومشاهده. وقتها أدركت فداحة هذه الحقيقة، وبدا لوهلة أن هذه الحقيقة بالذات كانت متكشفة للجميع باستثنائي أنا، الغافل الدائم، قليل الإدراك.

لقد كنتِ بالنسبة لي شرارة الاتقاد الأول، لهفة البداية المتأخرة، والحقيقة اللذيذة التي سقطتْ عليها يدي. ولكن، ما فائدة كل هذا إذ لم يشفع لي شيءٌ عندك؟ إذ لم يشفع لي حبي المتلهف لكِ منذ الطفولة وحتى هذه اللحظة.

كان كل خطئي أنني رغبتُ بكِ بشدة، ومنذ الطفولة، حين طلبت منا المعلمة أن نكتب أمنيتين ونرميها في صندوق تحقيق الأماني، كنتِ أمنيتي في الورقتين.

كان عليّ أن أبتعد مسافة كافية تعطيني القدرة لرؤية تشكلات العلاقة بيننا ومنحنياتها الحقيقية، القدرة على رؤية أماكن الخدوش وتجنبها، كان عليّ أن أفعل شيئاً آخر غير مواصلة التقرب وتجاوز الحدود.