عزيزتي الغائبة إلى الأبد..

لقد قرأتُ -كما تعلمين- الكثير من الكتب والرّسائل الأدبيّة.. لكنّي مع ذلك لا أعرفُ كيف لشخصٍ مثلي لم يسبق له أن وجّه خطاباً إلى أحد أن يبدأ رسالة مكتوبة إليكِ أنتِ التي تبدين ضرباً من الخيال. أو حلماً قصيراً مرّ وانتهى أمره.

كنتُ في معركة دائمة مع الوحدة، أحاصرها وتحاصرني في ذات الملعب. أقتلها وقتاً في رواياتٍ وكتبٍ لا تلبث أن تنتهي، وأفلام رومنسية وأخرى بذيئة لا تُشبهني في شيء.. ثُمّ تعود هي إلى الملعب، بشراستها المعهودة لتعاود قتلي.. مجدداً دون أدنى رحمة. كنتُ ضحيةً سهلةً لها، أرفسها وقتاً محدوداً بتفاصيل صغيرة وخيالات قصيرة، ثمّ أعود إلى كنفها خاضعاً ذليلاً كمن لا مأوىً آخر له.

وكنتِ الملاذ المؤقت من تلك الوحدة، كنتِ حبل النّجاة الوحيد الذي تسلقتُ عليه، كنتِ المجال الذي يفسح لي أن أمارس فيه رومنسيتي المبتذلة وحساسيتي الزائدة، كنتِ إناءً واسعاً لأسكب فيه حبّي الفائض والمشوّه، ولكنك معَ ذلك رحلتِ..

أتيتِ لتطردي الوحدة بعيداً بجناحيكِ كفراشة خرجت توّاً من شرنقتها، صنعتي لي عالماً ملوناً لم أعد ألحظ أين تختبىء الوحدة فيه، منحتني فصلاً جديداً من الحياة، ثمّ غادرتِ مسرعة كأنّك انتبهت للتو أن هذا المكان بإمكانه أن يحرق جناحيكِ، ويرديكِ رماداً منثوراً لا فائدة من جمعه.

يهمّني أن تعرفي أني لا أكتب هذه الرسالة لتعودي.. ولا أكتبها لأثير عطفكِ.. أنا فقط أريد أن أعتذر..

أنا آسف، آسف جداً لكوني شخص عاطفيّ وأملك فائضاً زائداً من المشاعر التي كانت سبباً في اختناقكِ منّي، آسف لأنّي لم أكن يوماً كما تريدين، أو كما حلمتِ أن يكون رجلك المُفضّل. أنا آسف لأني تعلمت كيف يمكن للمرء أن يُحب من الروايات المبتذلة والأفلام غير الواقعية، أنا آسف لأنّي جذبتكِ إلى وحدتي، وكرهتُ كلّ اللقاءات المولودة في منتزهات خضراء وأماكن تحتشد بالنّاس والضّجيج. أنا آسفٌ لكلّ ذلك.

وعليكِ أن تكوني آسفة أيضاً.

كان من المفترض أن تفهمي أنّ شخصاً مثلي لم يحظَ بالتوجيه المناسب من والديه مليء بالعقد المتشابكة، أنّ شخصاً غير سويّ مثلي من البديهيّ أن يخلّ باتّزانك ويُدمّر لكِ طريقاً طويلاً سرتِ فيه. أن تدركي تمام الإدراك أن معيشة مثل معيشتي لا تتناسب مع رفاهيتك المترفة بالسعادة والضحكات العالية، وأنّه يستحيل أن أكون الشّخص الذي يبسطُ لكِ بساطاً من السّعادة الحقيقة ويقودكِ في طريقه الرّحب إلى الحُلم الذّهبيّ والحياة الهنيئة.

أن لا تجازفي أخيراً باقتحام هذا العالم الخاص بي، أن لا تقرري بتفاؤلكِ الأبله فكَّ عقدي والسير معي إلى الخارج. لأنّي لم أكن يوماً رجلاً يملك مفتاحاً واحداً للسعادة والحياة الهنيئة، لم أملك القدرة قط على مدّ أي بساطٍ يوصلكِ إلى حيث تريدين. كنتُ هامشياً مليئاً بالأقفال المزاجيّة والعقد النفسية. كنتُ مخذولاً متروكاً من الجميع.

لذلك.. أرجو أخيراً أن تكوني آسفة جداً لوضعكِ خذلاناً جديداً على أرفف حياتي الهشّة.