وصلتُ إلى المنزل في حوالي الساعة الثالثة مساءً. خشخشة المفاتيح تزامنت مع طقطقة الملاعق والصحون، وأدركت أن تأخري لا يفتأ يسبب ذات المشكلة. أغلقت الباب، ودلفتُ من الردهة إلى الصالة الكبيرة، استمعتُ إلى الحوار الدائر بين الوالد والجد وأنا أخمّن جملة الوالد القادمة بشكلٍ صحيح "إننا لن نتغاضى عن الكسور لأجل استثمارهم القادم، لا شيء يؤكد كونهم مستثمرين دائمين، الحاضر أهم من القادم."

ذات الرأي دائماً، وذات الاعتراض دائماً. نفسُ الحوار المكرر، ونفس النظام، نفس العمل منذ عقودٍ طويلة، لا يملُّ أحدهم ولا يكلُّ. يكبّلون أرواحهم بكمّاشاتِ هذا العمل، ويعيشون على صورة المثال الذي حذوه بأنفسهم.

تقدّمتُ نحو المائدة، وسحبتُ الكرسيّ الأخير في الجانب الأيسر من الطاولة، وجلست عليه. كما يجلس والدي على الكرسي الأول بالجانب الأيمن، ويجلس جدي على الكرسي الثابت في صدر المائدة، نفس الترتيب دائماً، حتى في سفاسف الأمور، وإذ حصل وغاب الجد أو الوالد فإن الكرسي يبقى شاغراً، لا شيء يتغير ولا شيء يتقدّم أو يتأخر ولو بوتيرة بطيئة، كل شيء في حياتهم ثابت كمادة صلبة لا يمكن تغيرها بأي من العوامل الخارجية أبدا.

سكبت الوالدة الطعام في صحني وهي تبتسم بوداعة، تأملت وجهها الدائري المحمرّ كرغيف خبزٍ ساخن، هذا الوجه الطيب، النضر، الذي لا أريده أن يتغيّر البتّه، وهاتان العينيان اللتان تقطّران حناناً ورأفةً..

أعلن الجد انتهاء الحوار اليومي المكرر بمسح فمه بالمنديل الورقيّ وهو ينهض من على المائدة ويرمي بالجملة التي أعرف تماماً أنه لن يفوتها "هذه المائدة نعمة من الله، واجتماع العائلة عليها نعمة من الله كذلك، ومن لم يحترم ميعادها فلا داعٍ لقدومه أبداً."

ابتلعت اللقمة، كما ابتلعتُ جملته، كما ابتلع دائماً. وغضبه هذا لن يغيّر من قراري الذي أعلنته أمس أمام العائلة.

نعم، لن أبقى هنا، لن أعمل كما عملوا، ولن أسير كما سار جدي على خطى والده، ولا كما سار والدي على خطى جدي. لا أفهم لماذا يصرّ كل واحدٍ منهم على وضع حياة شخص ما مثالاً ليعيش عليه!!

إذا عاش كلٌّ منّا على مثالٍ يحتذيه فمن سيعيش حيواتنا الخاصة؟ من يكمل الطريق الحقيقي للحياة؟ من يخرج الشّغف داخلنا؟!

أنا بحاجة للانطلاق. شغفي طفح وحان الأوان ليفور خارج جسدي، روحي ملت الحصر والتكرار والإعادة، عليّ أن اتّبع طريقي الذي ارتأيته، أن أهب جسدي ليسعى في تحقيق مآرب روحي. إن أبحث عمّا تريده هذه الروح، عن الشيء الذي يساعدها على التحليق والارتقاء، وأن أحقق الأحلام المرغوبة والمنتظرة، هذه الحياة خُلقت لِتُعاش.

ولو كل واحدٍ في هذه الحياة عاش على طريق شخصٍ ما فمن يعيش الحياة الحقيقة إذن؟!

إن الطريق الحقيقي في داخلنا، ليس في الأشخاص حولنا، وليس في اتخاذهم كأمثله، ليس في القوانين ولا في التعاليم، يكمن في داخلنا، الطريق والحياة والحق!

صعدتُ إلى غرفتي، وحزمتُ حقيبتي، وخرجت. أنا أعرف أن وقت الوداع عصيبٌ على هذه الروح، ولكن هي ذاتها عصيبٌ عليها البقاء، وأن تعيش هذه الصعوبة وهذا الحزن لعدّة لحظات، خيرٌ من أن تعيشه عمراً كاملاً..

قبّلتُ يد الوالدة التي كانت تنتظرني أمام باب الغرفة، ومسحت دموعها من على خديها. نزلت عبر الدرج إلى الصالة، كان الوالد جالسا يدخّن غليونه ويشرب الشاي بتجهم، حدجني بنقم، وأدار وجهه. اقتربت منه، والتقطت يده من على ركبته وقبلتها ثم اعدتها، دون أن يبذل جهدا في اعادتها أو رفعها.

جدي رفض توديعي، قبع في غرفته مغلقاً الباب، وقد سبب هذا حزنٌ كبير لروحي، لقد شعرت بالقليل من الضياع، وواتتني فكرة أن أتراجع عن الذهاب لارضاء الوالد والجد، ولكنني تثبتُّ على قراري في اللحظة الأخيرة

إن الحزن يجعل الروح الحالمة تتخبّط، ويطعن بصحّة قراراتها في التحليق عالياً والانطلاق.. يقيد جموحها، ويجعلها تتخلى عن رغباتها لدحض الشعور بالحزن بعيداً عنها.. هكذا يفعل الحزن، وهكذا يفعل الخوف.

سرت واثق الخطى، ومقرراً أنني سأتّبع طريقي الخاص، وسأعمل كاتباً في إحدى الصحف، سأروي شغف الكتابة بداخلي، سأحرر كل تلك القيود التي كبّلتني طوال هذا العمر الذي عشته، سأعيش هذه الحياة كما يجب. ويوماً ما، سأعود بروحي المحررة والمنطلقة، إلى جدي ووالداي، سأرى الفخر ينبع من عيونهم، وسيدركون وقتها كم كان قراري صححياً، وسأشعر أخيراً بأنني عشت كما أريد، أن روحي لك تقع في كمّاشة العمل والتعاليم والأمثلة، وأنه صار لي حياتي الخاصّة، يوماً ما.. سأعود بكل هذا إليهم!