كان الخليفة موسى الهادي يتوسط مجلسه بمجمع الأنسِ والطَّرب، يقضمُ من صحونِ الفواكهِ ما تشتهيه النّفس، ويتلذّذُ بهِ متمتِّعاً. زاهٍ وجههُ بمحظيّته العاشقِ لها، يهزّ قدَمَهُ طرباً، ويميل برأسه على نغمها. يستمعُ لصوتها الشّجنِ الحزين والحبُّ يؤجّجُهُ.

بهتَ وجههُ فجأةً، فقد زهوه وازرقَّ كأنَّ فاجعةً حلّت بنفسه. قفز الحاجبُ مذعوراً، وتوقّفتُ الجارية «غادِر» عن الغناءِ وهي ترى وجهه يجفّ من الدّمِ، كما يجفُّ العنبُ. سأله الحاجبُ قلقاً:

- أمِن خطبٍ يا أمير المؤمنين؟

جحظت عينا الخليفة الهادي وهو يتمتم بصوتِ عصفورٍ مخنوق:

- وأنا أجلس هكذا، في النّعيمِ طرباناً ومستنعماً راودتني فكرةٌ!!

أصخوا السّمع إليه جميعاً.. فأكملَ:

- ماذا لو متُّ، فتولى الخلافة من بعدي الرشيد هارون أخي، وتزوّج جاريتي هذه ووطأها؟!

قال الحاجبُ وهو ينظرُ إلى الجارية غادر:

- فديتُكَ بنفسي يا أمِيْرَ المؤمنينَ، أطال الله في عُمُرِكَ وأزهرَ الخلافَةَ بعلمِكَ وعَمَلك.

وقفتْ غادِرٌ والذُّهول يلوح على وجهها:

- لا والله يا أمير المؤمنين، لا يحصل هذا لا في حياتِكَ ولا بعدَ موتِك، أطال الله بعمرك وأعلى شأنك!!

خبطَ الخليفة الهادي على ركبتيه والحُزنُ يأكل وجههُ:

- لا أرتاح ولا يهنأ لي بالٌ قبل أن أتأكَّدَ.

ثمَّ وقفَ وهو يرفعُ صوتَهُ بحزمٍ:

-اجلبوا لِي الرّشيد هارون، فلأسألنّهُ وأُحلِّفنّهُ حتى يهدأ قلبي ويكنّ خوفي!

هرولَ الْحَاجِبُ مُسْرِعاً حتّى أتى بالرّشيدِ بينَ يديّ الخليفة الهادي.

استعاذَهُ هارون لمّا سَمِعَ خبَرهُ:

- فلتهدأ يا أمِيْرَ المؤمنين، مَا هيَ إلّا وساوسُ الشّياطينِ لك، وجارِيَتكَ هذه والله لا أطَؤها أبداً!

- لن يهدأ لي بالٌ ويهونُ عليّ نومٌ حتى أُحلّفكَ، فاحلِفْ أنّك لا تطؤها إلا بالطّلاقِ ثلاثاً من نسائِكَ، وعتقُ سبعِينَ رقبةٍ، والحجُ ماشياً حافياً!!

فحلفَ لهُ هارون الرّشيد، واستحلفَ غادِر فحلَفتْ كذلكَ!

********

لم يمضِ شَهرَينِ على وقُوعِ هذا الحِلفِ حتّى ماتَ الخليفةُ الهادِي، فصَعَدَ الرّشيدُ هارون منبَرَ الخِلافة، واسْتَلَمَ شُؤونَ الدَّولة، وأحسنَ إدراتها.. وجعلَ في قصره الذي يُطلَقُ عليه «قصرُ الخُلدِ» ثلاثةَ آلافِ جارية، وكانَ محبّاً للغِناءِ عاشِقاً للطَّربِ، فجعلَ زيادةً على الثّلاثة آلافٍ مائتيّ جارية للغناءِ والعزف، كانت بينهنَّ غـادر.

*****

جاءَت الجاريةُ الكبيرةُ تعجّلُ الجارياتِ السّبع اللاتي اختارتهُنَّ ليرفّهنَ عن الرّشيدِ في مَجْلِسه هذه الليلة!

راقبَت الجاريات غـادِر وهي تتزيّنُ بعقدٍ من اللؤلؤ أهداها إياه الخليفة الهادي قبل وفاته.. فضحكنَ منها..

- أتَتَزيّنينَ بعقدٍ من خليفةٍ لخليفةٍ آخر؟!

- لا تطمعي به، فإنَّهُ قد حلفَ بأغلظِ أيمانٍ لمْ يحلِف أحدٌ بها قط!!

كزّتْ غـادرُ على أسنانِها وهيَ تكتُمُ غيظها منهنَّ، ثم ابْتسَمتْ بمكْرٍ لتداريَ ما بدى منهنَّ من سُخرية:

- أتحدّى إذن كلَّ واحدةٍ منكنَّ أن تأسرَ لبَّ الرّشيدِ وتخطِفَ قلبَهُ كما سأفعلُ هذه الليلة!

خرجتْ تطرقُ الأرض بنعلِها على وقعِ ضحكاتهنّ السّاخرة.

اجْتمعتِ الجارياتُ السّبع في المجلس الذي يتربّع الرشيدُ بصدرهِ، يقعُ على عاتِقهنّ العزفُ المتقنُ والغِناءَ الشّجيّ.. وما لبثتْ الجلسة أن تنتصِف حتّى وقفتْ غادر وهي تغنّي بشجَنٍ حزيْنٍ ترقُّ له القُلوبُ وتميلُ لوقعهِ الأجْسادُ.

دُهِشَ الرّشيدُ وهو يراها تتَقدّمُ، ثمَّ ترفعُ عن ساقيها الرّداءَ الطّويل، وتدورُ راقصةً وسَطَ الْجارياتِ السّبع المذهولاتِ من جرأتها.

رقصت وهي تنظُرُ بعينيّ الرّشيدِ حتّى أيقنَتْ أنها امتَلَكتْ مقاليْدَهُ وأمسكتْ بِزمامِ قلبِه بينَ أصابعها. ندّتْ منهَا ابتسامَةٌ رقيقةٌ لمّا رأت وجههُ يتولّعُ لها إعجاباً ولهفةً!

بقيَ الرشيد هارون مفتوناً بها، فأرسلَ لها حاجبهُ يدعوها للمكُوثِ عنده ليلاً. فما لبث أن ذهبَ الحاجبُ حتّى عاد يُعلمهُ برفضها. بهتَ الرّشيدُ وازدادَ شغفهُ بها، فأرسل لها مرّة وأخرى، وجاءَ الحاجبُ يحمل ذات الخبر. وذهبَ الرشيد إليها أخيراً، فروادها عن نفسها حتّى قالت:

- والأيمانُ التي حلفناها يا خليفةَ الله؟!

- أنا أكفّرها.. أنا أكفّرُ عنّي وعنكِ.

فأخذها الخليفةُ عن رضاها، وجعلَ لها شأناً عظيماً بين نسائهِ وجواريه، وأعطاها مِنَ الهدايَا والعطايَا ما تغبِطها عليه جواري القصرِ ونسائِهِ.

ووقعتْ غـادر في نفس الرّشيدِ كما لم تقع أيٌّ من النّساء، حتّى أنّها كانتْ تغفى في حجرهِ فيمكثُ طويلاً لا يتحرّكُ كي لا يوقِظها..

وحدثَ مرّةً أن استيقظتْ فجأة في حجره مذعورة باكية، فسألها عن الخطب الذي دهاها..

- إنما رأيتُ يا أمير المؤمنين الخليفة الهادي في منامِي، يلومني ويعاتبني وهو ينشِد:

أخلفت عهدي بعد ما * جاورت سكان المقابر

ونسيتي وحنثت في * أيمانك الكذب الفواجر

ونكحت غادرة أخي * صدق الذي سماك غادر

أمسيت في أهل البلى * وعددت في الموتى الغوابر

لا يهنك الألف الجديـ * ـد ولا تدر عنك الدوائر

ولحقت بي قبل الصبا * ح وصرت حيث غدوت صائر

فمسح الرّشيدُ على شعرها وهدّأها:

- أضغاثُ أحلامٍ يا غـادر!!

ولا زالت ترتجف وترتعدُ كعصفورّ مبلل حتّى ماتت قُبيلَ طلوع الفجْرْ.