تعالوا يا أطفالي و اجتمعوا حولي، هكذا كما يفعل قديموا الزّمان عندما يلتفّون حولَ الحكواتي وهو يقص عليهم قصص الابطال، أولئك الذين نصروا الحق، وأظهروا الخير و ردموا الشر بقواهم الخيّرة، السامية، ونياتهم الصادقة، اجتمعوا هكذا لأنني سأحدثكم عن بطل يشبه هؤلاء الأبطال..

كان يا مكان في غابر الزمان وسالف العصر والاوان

صبي من الصبيان يلعب مع أقرانه و الخلّان ..

في سهولِ قريَته المحاطَة بالوديان، يجري في الحقول خلف الأرانب و الغزلان.. كان شديد الإصرار وشاعراً فصيح اللسان

يصوغ شعره بكلماتٍ حسان، متكاملات المعنى وفائقاتِ البيان..

كان ذات عصرٍ في السّهل يريح جسمه المتعب الهلكان

فمرّت به عربةٌ جميلةٌ تدلُّ على التّرف والدعة

وقفت قريبة منه.. لمَ يا تُرى ؟!

تساءل رقيم ونهض ليرى، نزل منها السّائس بكل وقار

و اقترب منه و قال: دَلَّنا عليكَ أهل قريتك الأخيار

سيدي المختار يريد أن يستخدمك لبعض الحاجات

قال الصبي رقيم: وما يريد سيدك من الحاجات؟

نظر السيد المختار.. من نافذة العربة وقال: تعال معنا الآن، و سنعلمك بالأخبار.. دخل رقيم العربة وسار معهم الأميال والأقطار حتى وصلوا للمكان المختار..

وكان كهفاً في قرية عشتار، متوارٍ عن الأنظار، بين العديد والعديد من الأشجار، من تفَّاحٍ ورمّانٍ وألذَّ الثّمار، فوقف أمامَهُ حَيْران..

قال السَّيد: إفتح يا سمسم...

إنَّ أمامك أناسٌ أخيار من أهلِ قرية عشتار.. فَفُتح الكهفُ وولجَ السيد ورقيم وتراجع السّائس بوقَار.. دهِشَ رقيم من العددِ الكثيرِ للرجال، وأدركَ أنَّ في الأمر سر كبيرٌ من الأسرار

هتف السيد المختار و قال: أرسلتهم من أقوى الرجال، وأجمل الغلمان وأحسن الفتيان، حتى يحضروا الكنوز واللآلئ والتيجان، ولم يتمكنوا حتى من الخروج بأمان..

فدلنا عليك الجد جسّار، حكيمُ قرية عشتار، فقال لنا خذو معكم فصيح اللسان، رقيم من قرية شمعان

إقتربَ رقيم من صناديق الكهف ونظر إليها حيران..

وقرأ المكتوب على إحداها بإتقان (لا يؤخذ بالصَّرعة ولا قوة البنيان، ولا يُنال بالجمال ولا يُطال بالأموال، إن بخلت به نقص، وإن أنفقت منه كثر و زاد)

فهتف رقيم بفرحة: إنه العلم يا خلان!!

ففُتحَ الصَّندوق حالاً، ووجدوا فيه المخطوطاتِ والأوراق والأحبار، حملها رقيم بسعادةٍ وامتنان

وأشاح وجههُ بغضَبٍ السّيد المختار!!

إقترب رقيم من الصندوق الآخر، وقرأ اللغز بانبهار

( شموع العلم يضيئون دروب الحياة للأجيال)

هتف رقيم مرة اخرى وقال: إنهم العلماء !!

وفُتحَ الصندوق فوراً، وعثروا فيه على كتب فلسفةٍ وعلومٍ وأشعار!!

حملها رقيم بين يديه بفرحة ثم قال: مالذي ننتظره؟؟

لنخرج الآن..

فقال أحد الغلمان: للخروج يوجد لغزٌ جبّار.. لم يستطع حلّه الرجال منّا ولا الفتيان!!

فسار رقيم معهم إلى باب الخروج.. وقرأ اللغز المكتوب الذي يقول (أخْذُها نور، وتَركُها ظلام، وفي طيّاتها هدىً وبيان)

فقال رقيم : إنها لغتنا العربية، لغة القرآن

ثمَّ أردف وقال: إن الكنز ليس فضة ومال، بل هو لغةٌ وعلم فيهما نورٌ وجمال

وأدرك السيد المختار أن كل القوة والجمال والمال لم يغنيهم عن حل لغز كهف عشتار!!

و أن المنفعة بالعلم لا بالكنز، والعلو للعلماء لا للأغنياء والتجّار، وأن كنز اللغة أهم من الذهب والفضة والجاه والأموال، فقرر أن ينشِئ مدرسةً للعلمِ والبيان، في قريته عشتار، و أن يسميّها رقيم، ويدخل فيها كل مَن في القرية مِنَ الغلمان!

وكان هذا ما كان، فكان رقيم بطلاً من الأبطال..

أحبَّ اللغة والبيان، و أنقذ فناءها من قرية عشتار💚