1- العلم في يد الرأسمالية

في بداية محاضرته، يجنح فيبر إلى تقديم حالة المنشغلين بالعلم في ألمانيا (طلابا جامعيين وأساتذة) بالمقارنة مع العامل الخارجي وهو بالنسبة إلى فيبر امريكا. تتضح صور الاختلاف في المقارنات التي يعقدها (وتتضح لنا أيضا اذا ما قارنا ذلك مع الوضع الحالي). فآنذاك في ألمانيا، كان النظام الأكاديمي ينظر إلى المحاضر الذي تخرج توا (الذي لا يتلقى أي مقابل مادي ! اللهم رسوم تسجيل الطلبة) كخادم عند الأساتذة المحاضرين الأعلى منه، مما يكرس نظاما بلوتوقراطيا (أو تملك الأغنياء) حيث شاع في تلك الفترة ان أساتذة الجامعات كلهم من الطبقة الغنية. اما في الولايات المتحدة، فالنظام البيروقراطي يعفي الطلبة المتخرجين حديثا من الأعباء نسبيا لأنهم يتقاضون مرتبا (ولو ضئيلا) عن ساعات التدريس.أمر آخر مهم هو أن الهيئات الرسمية هي من تحدد المناهج التعليمية الجامعية في الولايات المتحدة عوض أن يكون الأستاذ هو من يبرمج الدروس. "فالمعاهد الامريكية اذن والجامعات هي منشآت تتبع رأسمالية الدولة ولا يمكن أن تدار دون وسائل تشغيلية على درجة من الاهمية". هنا يصبح العالم/ الأستاذ الجامعي/ المعيد، مثله مثل أي حرفي أو عامل يتقاضى راتبا من أجل خدمة معينة داخل سلم هرمي متفاوت طبعا.

هذا الأمر لم يمر عليه وقت طويل حتى جنحت الجامعات الألمانية كذلك إلى النظام الأمريكي، خاصة أنه أظهر بداية ايجابيات كثيرة مقارنة مع النظام السابق، خاصة في ما يتعلق بالكفاءة التي كان ينظر اليها على أنها مرتبطة ب"عدد من يحضون الدروس عند استاذ معين" لتتصبح الهيئات الرسمية هي من تقرر تعيين من تراه مناسبا (ولنا هنا أن نتساءل عن المعايير، لكن ذلك ليس شأننا الآن). فكون الأستاذ يملك ميزات "الأستاذ الجيد" لا يعني أنه "عالم" في مجاله والعكس كذلك. و هذا الفصل بين "العالم" وبين "الأستاذ" القادر على توصيل معلومة معينة فصل منطقي، فهذا الفن تحديدا هو هبة شخصية ولا علاقة له من قريب او بعيد بصفات العالم العلمية، لكنه يجعلنا نتساءل أيضا عن مصير "العالم" الذي كرس من وقته الشيء الكثير في سبيل العلم دون أن تتاح له فرصة التدريس ! فاجتماع صفتي "العالم" و"الأستاذ" في شخص واحد هو من النوادر، ولذلك يقر ماكس فيبر بأن الحياة لجامعية صدفة عمياء إذن !"

2- لعنة التخصص

إذا كان العلم قد أصبح اذن في متناول الرأسمالية التي تديره وفق ما يحلو لها، فإن الانتاج العلمي يظل كذلك مرتبطا بالعالم/صانع العلم و بظروفه الداخلية. فمن يتخذ (رغم الظروف التي ذكرنا قبلا) ان يتخذ الميدان العلمي مجالا له، فعليه التمتع أولا بشغف له، إذ لا شيء ذا قيمة بالنسبة إلى الانسان بوصه انسانا، مل لم يتمكن بالقيم به بولع شديد. لكن هذا الولع والشغف لن يستحثا النتائج على الظهور ! ولن يتمكن العالم/ العامل في حقل العلم من احراز "تقدم" في مجاله بفضل الشغف وحده، ولا بالقيام بمجموعة تجارب و حسابات فقط، بل بفضل الفكرة، والأفكار تخطر متى طاب لها وليس حين يطيب لنا ذلك ! وهي على الأغلب لا تأتي ونحن جالسون إلى المكتب منكبون على العمل، بل على الأغلب كما قال أيهرنغ (Ihering) عندما يكون المرء مستلقيا على كنبة يدخن سيجارا". فالصدفة اذا لها نصيب في هذا العمل :" إن على كل عالم أن يتكل على الصدفة التي قد تكون كامنة في خلفية كل عمل علمي:ثم هل ياتي الالهام أو لا يأتي؟فهذا ما يجب على العالم في مجال العلوم أن يتحمل تبعاته"

هل الأمر يقف عند هذا الحد؟ الجواب لا، فلعنة التخصص تطارد العلماء بشكل مستمر (وفي أيامنا هذه بشكل غير مسبوق). فعلى العالم، إذا أراد فعلا أن يقدم شيئا جديدا لم يسبق إليه أحد، أن يغوص عميقا في تخصصه و يكرس وقته ونفسه له (في انتظار الالهام والأفكار التي تأتي فيما بعد)، ف "من خلال التخصص الدؤوب فقط، يستطيع العامل في المجال العلمي ان يشعر فعلا بشعورٍ يُقدر له أن يحس به مرة واحدة في حياته، وأن يحس به مرة اخرى: هنا استطعت أن أحقق شيئا ما، شيئا سيقدر له أن يدوم".

عند هذه النقطة يفترق العلم عن الفن رغم أن لهما تقريبا نفس الشروط المبدئية (وجود الفكرة/ الالهام ثم العمل عليها): فالفن في سيرورة تقدمه، ليس هناك من حد واضح ولا من هدف نتغيا الوصول إليه، وكل عمل فني – إن هو كان عملا فنيا جديرا بهذه التسمية - هو عمل قائم بذاته، وما يأتي بعده من فتوحات فنية لا تلغيه بالضرورة، بعكس العلم: حيث كل تقدم فيه يعتبر الغاء لما قبله: فعلى العالم تقبل حقيقة أنه يعمل من أجل شيء لن يدوم و لن يمر عليه وقت (طويل أو قصير) حتى يصبح بلا قيمة !

3- تقدم وتجاوز لانهائي: إلى أين؟

إذا كان الامر كما ذكرنا من مجازفة بتكريس الوقت والنفس لعمل نعلم مسبقا أنه سيصبح متجاوزا، لم هذا الانشغال الكبير به؟ لم يجب على العالم (رجل العلم/ الأكاديمي) أن يزج بنفسه في هذه العجلة التي تدور إلى ما لا نهاية، وسط مؤسسات رأسمالية يهمها اولا وأخيرا الربح المالي، وداخل نظام بيروقراطي هرمي؟ من الخطأ (بل ومن السذاجة) الاعتقاد بأن ذلك يجعل الحياة أفضل، او أن ذلك يسهم في خير البشرية أو حتى خدمة للعلم لذاته ! ف"التحصيل العلمي المتنامي والعقلنة لا يعنيان أبدا معرفة عامة متنامية لشروط الحياة التي نحيا في كنفها، بل يعني ذلك شيئا آخر مختلفا: هو أن نعرف و أن نعتقد، اننا نستطيع في كل لحظة، شرط أن يكون نلنا الارادة، أن نبرهن لذلتنا عدم وجود أي قوة سرية أو غير مرئية قادرة من حيث المبدأ على التدخل في سير الحياة ... يعني ذلك إذا نزع السحر عن العالم". فالأمر مرتبط بنوع من العقلنة التي يطمح إليها الجميع، أي ايجاد معنى وسط الفوضى. فالعلم، بما لديه من مقومات و نظرة تجريدية، يحاول عبر نزع السحر عن الأشياء، عقلنة العالم من حولنا، ومنحنا احساس السيطرة والارادة، لكن ذلك لا يعني فهما أوسع و أوضح للحياة التي نحياها.

4- ما قيمة العلم إذن؟

بعقد المقارنة بين الماضي والحاضر، فإن العلم كانت له تلك القيمة السامية التي تطمح لاكتشاف الوجود الحقيقي: الفن لحقيقي، الجمال الحقيقي، الاله الحقيقي أيضا. يذكرنا ماكس فيبر هنا بتلك الأسطورة الرائعة التي يوردها أفلاطون عن اولئك القابعين في ظلام الكهف الذين يكتشفون شيئا فشيئا أن الظلال التي أمامهم ما هي إلا انعكاس النور الحقيقي، نور الشمس، الذي عليهم الخروج لاكتشافه. اما الحال اليوم، فالعلم على العكس من هذا، يبدو مغرقا في التجريدات والماورائيات (خاصة في العلوم الطبيعية الدقيقة)، والقول بأن العلم سبيل للوصول إلى معنى العالم أو إلى الحق كما كان رائجا هو تجذيف مطلق. فالعلم كما يقول تولستوي "العلم بلا معنى، لأنه يبقى بدون جواب على السؤال الاوحد الذي يستأثر باهتمامنا: ماذا يجب ان نفعل، وكيف ينبغي لنا أن نعيش؟ يقدم لنا فيبر مثالا هنا عن الطبيب الذي يكافح على حياة مريض يصارع الموت: فالطب لا يطرح السؤال عما إذا كان من الاجدر لهذا المريض الموت؟ وهل يستحق العيش و متى و تحت أية ظروف؟ (ويضيف أمثلة اخرى من مختلف العلوم لا يسعنا ايرادها هنا كلها). فالعلم الآن يعطي نوعا من السيطرة التقنية على الحياة (مثل الطبيب الذي يبذل ما في وسعه لابقاء مريضه حيا) ، لكنه لا يملي علينا الطريق الصحيح الواجب اتباعه (هل نمنحه الوقت للتعافي أم ننظر إلى التكاليف العالية لذلك ونودعه بهدوء).

5- النظرة الذاتية للعالم:

بتحدده بشروط العقلنة، و بخضوعه لمنطق التجريب والملاحظة كونهما ادواته الأساسية التي يستند عليها، بالاضافة إلى مجموعة من الفرضيات المسبقة التي لا نستطيع دائما البرهنة عليها والتي تختلف من علم لآخر، يفقد العلم شيئا من موضوعيته و يصطبغ بذاتية العالم، خاصة في مجال العلوم السياسية. فالأستاذ المحاضر/ المثقف/الباحث في الشؤون السياسية يجد صعوبة في الحديث بموضوعية دون ادراج رأيه وتوجهه فينة بعد الأخرى (وماكس فيبر هو أيضا أكبر مثال، حيث يبدأ محاضرته معلنا انه لن يقحم السياسة لكن المطاف ينتهي به بإقحامها) غير أنه يؤكد أن على أن الواجب (في حالة محاضرة مثلا) أن يتم الالتزام بالحديث الموضوعي دون محاولة صبغ الطلاب بآرائه الفكرية وتوجهاته، ويضيف : "في كل مرة يقوم فيها رجل العلم بإقحام حكمه القيمي الشخصي، فإن كل فهم للوقائع يصبح في حكم المنتهي".

لكن ماذا عن الطلاب/المتلقين للعلم؟ هل يمكنهم تلقي العلم المقدم (بشكل موضوعي) بطريقة متساوية، أي هل ستكون لهم نفس النظرة لما عرض عليهم من حقائق؟ يجرنا هنا فيبر إلى علم اللاهوت فيتساءل: كيف يمكن حمل الكاثوليكي المؤمن من جهة، والماسوني من جهة أخرى خلال محاضرات تتناول اشكالات الكنيسة والدولة أو تعالج تاريخ الديانة، على الوصول إلى تقييم هذه الموضوعات بصورة متشابهة؟ مثل هذا الأمر غير وارد على الإطلاق. فما العمل والحال هذه؟ يقر فيبر أن واحدة من مهمات الأستاذ/المحاضر الناجح هي تعليم المستمعين "الاقرار بوجود وقائع غير مريحة .. أي وقائع لا تتماشى و الرأي الشخصي .. إن الأستاذ الأكاديمي الذي يلزم مستمعيه الاعتياد على أمور كهذه، فإنه يقوم بإنجاز عمل يتجاوز ما يعتبر عملا فكريا خالصا".

الأمر طبعا ليس بالسهل لا على الاستاذ العالم ولا على المتعلم، فعملية العقلنة التي سادت جميع المناحي، مدعومة بحمولة أخلاقية تقسم ما بين أخلاقيات الشيطان و أخلاقيات الله (والتي يتكفل بتصنيفها كل واحد منا بالنظر لتوجهه/لقناعته) ترجح دائما الايمان بالواحد (الرأي الواحد، وجهة النظر الواحدة، الحق الواحد). لكن "حسب تعبير فيبر" الآلهة القدامى قد خرجت من قبورها واتخذت شكل قوى غير مشخصنة جاهدة لاستعادة السلطة على حياتنا"، في اشارة للأنظمة التي تجر بعيدا عن الدين، والتجمعات التي تفرض نمطا من التفكير، و الاحزاب التي تروج لاتجاهاتها، والتقنية التي تتقدم بنا إلى مصير مجهول، والأقتصاد العالمي الذي يأتي بثقله على الجميع، كل ذلك يجعل من الضروري الخروج بحلول توفيقية: إنه قدر حضارتنا: ادراك هذه الصراعات وبمزيد من وضوح الرؤية.