"رقصة الوداع" رواية للرائع كونديرا، الذي اكتشفته قبل سنوات وانبهرت بأسلوبه. إنه لا يروي قصة، بل يتتبع شخصياته كساحر يراقب كرة زجاجية، فيقرأ أفكارها ويحلل تصرفاتها. وهذا عين ما فعله هنا حيث تتبع شخصياته على مدى خمسة أيام فقط ليخرج لنا بتساؤلات وأفكار عدة، نستعرض بعضا منها في هذا المقال: 

المرأة عدوة المرأة

 روزينا فتاة جميلة، ممرضة في مركز طبي أغلب الوافدات إليه من النساء. يوم قررت الاستقرار بهذه المدينة بعيدا عن والديها، تصورت حياتها وقد نعمت بالاستقلالية لكنها للأسف وجدت نفسها تغرق في كثرة نسائية "تفقدها أيه قيمة". يحلل الكاتب هنا هذا المشكل الازلي للعداوة بين النسوة من خلال روزينا في ثلاث نقاط: الحسد (النساء الوافدات للمركز الطبي لديهن امكانيات غير متاحة لها)، ونفاذ الصبر (كل واحدة من النسوة لديها حياة أخرى وزوج وأولاد، اما هي بلا مصير لأن أيامها كلها متشابهة وهو ما لم تعد تستطيع عليه صبرا)، ثم البغض الغريزي لأن "الكثرة النسائية" حسب تعبير كونديرا "تطمس القيمة الفردية و الخاصة للمرأة".

لكن رغم هذا، هناك مواقف تختار كل امرأة صفا من النسوة تتوافق معهن وربما تدافع عنهن! يسرد كونديرا هنا موقفا لروزينا مع إحدى المريضات "أولغا" (اللواتي كن عاريات جميعا في حوض سباحة) عندما فوجئن بوجود رجال قرب المسبح: أولغا رفضت هذا التصرف (وجود رجال في مكان نسوي بامتياز) لكن الأخريات لم تمانعن بل سخرن منها! عندها قامت تأخذ ملائة تتغطى بها ما أثار حفيظة الأخريات وروزينا كذلك! يقول كونديرا في هذا الصدد "ليس هناك مجال للمصالحة بين امرأة تعتقد انها فريدة، و نساء لبِسن كَفَن وحدة قدرهن الأنثوي". أولغا رفضت أن تظل عارية على غرار الأخريات، ما حدا بهن إلى الاعتقاد بأن تريد أن تتميز عليهن بتسترها (كأنما تتستر على شيء من الأهمية رغم علمهن بأن الجسد الأنثوي هو نفسه عند الجميع من حيث تكوينه)، وثارت حفيظتهن لأنها رفضت "الوحدة" و "التساوي" اللذان يفرضهما العري.

الأمومة: تشريف أم مقبرة للحب؟

في ظل الظروف التي تعيشها روزينا، من الضروري أن تبحث عن "قيمتها" و "تميزها" بأي وسيلة، وذلك ما حسبته عندما اكتشفت أنها حامل."كانت مهووسة بفكرة أن حملها يشكل حدثا عظيما، أو بالأحرى فرصة، أو صدفة من الصعب أن تتكرر. كانت كلاعب الشطرنج الذي نجح في ايصال بيدق إلى آخر صفوف الرقعة، فصار ملكة"لكن من الأب؟ لدى روزينا علاقتان، مع "كليما" قبل شهرين، و مع "فرانتشيك"، لكنها قررت نسبة الحمل إلى كليما، العازف الذي التقت به في إحدى الحفلات، ببساطة لأنها تبحث عن وسيلة للخروج من المدية الصغيرة التي تكرهها. الحب إذن هنا غائب تماما مهما ادعت ذلك، بل مصلحة شخصية وأنانية منها فقط. ماذا عن كليما؟ يشرح كونديرا في كتاب "فن الرواية" "كاره النساء" بأنه "تصيبه الأنوثة بالرعب ويهرب من النساء الأكثر أنوثة .. المثل الأعلى لكاره النساء فهو إما العازب الذي يعيش مع كثير من العشيقات، وإما المتزوج بامراة محبوبة لم تلد أطفالا". كليما من هذا النوع الأخير، متزوج من كاميلا التي بحبها جدا دون أن يمنعه ذلك من اقامة علاقات عابرة، لكن تخوفه من النسوة يظل حاضرا. بعد اعلامه من طرف روزينا بأنها حامل "منه" حاول أن يقنعها بالاجهاض وهو ماكان مستحيلا عليها ليس حبا في الطفل بل حبا للهالة السحرية والسلطة التي أضفاها حملها عليها. لكن من جهته، فالأمومة مقبرة للحب، وتحويل للزوجة من "العاشقة" التي تهتم به وحده إلى "الأم" التي تتدهور أنوتثها ويذبل جسدها و يأخذ الطفل كل وقتها. 

الغيرة ليس ألما شخصيا فحسب 

كاميلا زوجة كليما، وهي بشهادة الجميع (بما في ذلك زوجها) جميلة. لديها كل ما يمكن أن يجعل حياة المرء هانئة سعيدة، لكن أكبر مشكل في حياتها هو "الغيرة". فهي من خوفها على زوجها وخوفها من تخليه عنها تظل طول الوقت مشغولة به وبمغامراته! ورغم أنها لم تر يوما واحدة من "العشيقات المزعومات" (ولم يكن لديها الاستعداد النفسي لرؤيتهن أصلا) إلا أن إحساسها كان يخبرها بذلك وكأنه اليقين المطلق: "كانت تظن انها تعرف، وكانت تضفي على هذا الظن طابع اليقين، فهي تؤمن بخيانة زوجها مثلما يؤمن مسيحي بربه، مع فارق أن المسيحي يؤمن بربه وهو واثق تماما من انه لن يراه أبدا، وحين خطر لها انها ستباغت كليما مع امرأة اخرى أصابها الفزع نفسه الذي قد يصيب مسيحيا اتصل به الرب ليخبره بأنه قادم لتناول الغذاء عنده"

كليما من جهة أخرى كان عارفا بشكوك زوجته وكان يتعذب بها، بل كان يتعذب مرتين: فهو ك "كاره للنساء" تظل زوجته هي إمكانه الجنسي الوحيد (ما يعني أن امكانات أخرى كثيرة تظل بعيدة عنه) ومن جهة أخرى، فشكوك زوجته في تصرفاته تعذبه خاصة وأنها تفسر حتى محاولات صلحه وحبه على أنها مناورات لمداراة خياناته: "كان يعلم أن كاميلا تتعذب بسبب الغيرة وأنها ستقضي الليلة بلا نوم. وتاق إلى مداعبتها وعناقها ومواساتها، لكن سرعان ما بدا له الأمر بدون جدوى، لأن قرون استشعار زوجته ستعتبر هذا الحنان الزائد دليلا على سوء نواياه"

بين الاجهاض و الإنجاب 

في حوار طويل (وجميل حقا، وربما من أجمل الحوارات في الرواية) يتحدث "جاكوب" مع "برتليف" حول مسألة الانجاب. جاكوب يرفض الانجاب لأنه: 

- لا يحب الأمومة، وبنظره فالطفل له روح مشوهة بعيدة عن البراءة (في ظل تصورات فرويد)
- عشقه لجسد الأنثى ورفضه لأن يتحول "ثدي زوجته إلى كيس حليب"
- اعتقاده بأن الانجاب يخلق نوعا من العداوة بين المنجبات (ممن يعتبرن أنفسهن قد حُزْنَ قيمةً عظيمة) و غيرهن (سواء المجهضات أو العقيمات)
- تسائله عن مستقبل الطفل 
- تفكيره في المشاكل التي يمكن تصيب الابن نتيجة اختيارات الأب السياسية كالاعتقال أو تصفية حسابات او غيرها (نلاحظ هنا أن عقلية السياسي حاضرة رغم تخلي جاكوب عن العمل السياسي منذ مدة طويلة)
- عدم اعترافه بلذة الحياة و بالتالي استحالة تفكيره بتكرارها بالانجاب.

الحوار لن يقف هنا، فحسب برتليف، "الانتحار بصقة في وجه الخالق" ورفض للهبة الإلهية، وفي المقابل، فالاجهاض محرم لأنه "يجب قبول الحياة كما هي، وقبول الحياة هو قبول باللامتوقع. والطفل هو تجسيد لهذا اللامتوقع". برتليف كذلك عندما استشاره كليما بخصوص اجهاض روزينا رد بشكل لا يخطر على البال قائلا: "لا تحاول التظاهر بحب روزينا، بل حاول أن تحبها فعلا. أشفق على حالها، وحتى لو كانت تخدعك، حاول أن تبحث في خداعها عن مظاهر حبها. أنا متيقن بأنها لن تصمد أمام صلابة طيبوبتك. و أنها ستتصرف من تلقاء ذاتها لتتجنب ايذائك". بهذه العبارة، يبين كونديرا نوعا نادرا من الحب، يظهر ملائكيا وصعبا، لكنه ليس مستحيلا مادام أن هناك من يستطيعه مثل برتليف. هذا الحب الملائكي يظهر كذلك في حديثه مع الدكتور "سكريتا" (الذي يعمل على مشروع غريب أترك لكم فرصة التعرف عليه عند قراءة الرواية) والذي اعتبر أن الانجاب من حق فقط "الوسيمين": "أمر غير معقول كيف يصمم أفراد قبيحون على الانجاب. إنهم يتصورون بلا شك أن عبء القبح سيصير أخف إذا تقاسموه مع ذريتهم". برتليف من جهته اعتبر هذا الكلام نوعا من "العنصرية الجمالية"، وأن من يحكم بها على النساء هو "شخص قليل الخبرة" يحكم فقط من المنظور البصري، أما "الراسخون في العلم" فهم حسب كلام برتليف "يعرفون أن العين لا تدرك إلا قدرا بسيطا مما يمكن أن تمنحه إياه المرأة"، ثم يضيف : "أنا مقتنع أن الرب ليس هو من وضع المعيار الجمالي بل الشيطان. فلا احد يميز بين القبح و الجمال في الجنة".

وهم "الرسائل المشفرة"

من خلال شخصية جاكوب يلقي كونديرا الضوء على نوع من الأشخاص الذين يفسرون كل حدث في حياتهم على أنه رسالة معينة ويحاولون التصرف بناء على هذه الرسائل! ما يجعله يعيش حياته كأنه ممثل في مسرحية، يغير دوره باستمرار حسب "الرسائل" المملاة عليه، فيتحول من الملاك الحارس إلى المغتصب، ومن العطوف الرحيم إلى القاتل ببرودة دم. وبسبب رسالة من هذا النوع وبسبب كرهه الشديد للانجاب، تخيل صديقه طبيب النساء سكريتا كأنه "جلاد" و"روزينا" مساعده، وتخيل كليما في وضعية مزرية بسبب هذا الطفل، فقرر التدخل وعمل حد لحياة روزينا بطريقة أدعكم تكتشفونها في هذه الرواية الرائعة.